الأحد، 16 مايو، 2010

تحرير القدس بالأمة





تحرير القدس بالأمة


وتحرير الأمة بالقدس


بحث مقدم إلى ندوة


القدس بين التهويد والتسليم




تنظيم وإدارة المركز العربي للدراسات والأبحاث


عقدت بتاريخ 2جمادى الثانية 1431هـ


الموافق 16/5/2010م




الدوحة – قطر


بقلم/ حسن أحمد الدقي


aldiqqi@hotmail.com




مفردات البحث


أولا: المقدمة


ثانيا: القدس في ظل النظام الدولي ومفرداته


ثالثا: القدس في ظل النظام السياسي والفكري للعرب والمسلمين


رابعا: القدس في ظل الحراك الإسلامي والجماعات الإسلامية


خامسا: مؤشرات في استراتيجية الإنقاذ المتبادل ما بين القدس وأمة الإسلام


أولا: المقدمة


إن الحمدلله تعالى نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. ونصلي على إمام المتقين وقائد الغر المحجلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، أما بعد:


فإن المتأمل في فواتح سورة الإسراء وما شملته تلك الفواتح من ارتباط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى وتقابلٍ بين فساد اليهود العالمي ونقض ذلك الفساد وإزالته بعباد الله أولي البأس الشديد، وارتكاز كل من فساد اليهود من جهة وصولة الموحدين ضدهم من جهة أخرى على موضع المسجد الأقصى تحديدا، ليدلنا على الحقائق التالية في الحال وفي المستقبل:


1- إنه لا فكاك لعقدة الاصطراع هذه إلا بتغلب وهيمنة وسيطرة فئة على الفئة الأخرى وقيام فئة من الفئتين بإزالة كل أشكال الهيمنة والاستحواذ على البقعة الجغرافية هذه مما يحتم معه تهديم كل ما بنوا وأشادوا سواء أكانت تلك الإشادة على أرض فلسطين أو السيطرة العالمية التي توصل إليها اليهود: (وليتبروا ما علوا تتبيرا)الآية يقول القرطبي رحمه الله تعالى في معنى التتبير: أَيْ لِيُدَمِّرُوا وَيُهْلِكُوا . وَقَالَ قُطْرُب : يَهْدِمُوا ; قَالَ الشَّاعِر : فَمَا النَّاس إِلَّا عَامِلَانِ فَعَامِل يُتَبِّر مَا يَبْنِي وَآخَر رَافِع(انتهى).


2- ومن مقتضيات الصراع وأبعاده أن يستعين كل فريق بما أوتي من طاقة وقوة بشرية ومادية في هذا الصراع ولن يستسلم طرف لآخر إلا بعد أن يستنفذ كل طرف تلك الطاقة والقوة في ميدان الصراع ومن المشاهَد أن اليهود قد حشدوا في صراعهم واستدعوا طاقات أمم الكفر الأخرى ووظفوا الهيمنة العالمية التي توصلوا إليها خلال القرن العشرين الميلادي وما سبقه وفق ما قدره المولى سبحانه عليهم:(ضربت عليهم الذلة والمسكنة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس)المائدة:112، فهذه سنة أخرى من السنن التي تحكم مسار اليهود في الأرض، وليس أمام أمة الإسلام والحال كذلك إلا أن تستدعي طاقاتها كلها وأن تعولم الصراع حتى تتمكن من فك عقدة القدس وهو ما ينبئ بصراع مرير طويل، وأن أمم الكفر الأخرى لن تتوانى عن دعم اليهود مما يجعل كل من يدعمهم يدخل تحت حكم المحاربين لأمة الإسلام فهل سيقبل المسلمون خارج فلسطين أن يدفعوا ضريبة هذه العولمة للصراع وأن يصدقوا في حبهم وتعلقهم بالقدس؟.


3- أن المسجد في قلب الصراع (وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة)الآية وبما أن المساجد هي الرمز الذي يفرق بين المسلمين وغيرهم (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا)الآية، فلا يمكن حرف الصراع عن مساره العقدي لا بوطنية ولا بقومية ولا بمجرد المطالبة بالأرض فضلا عن وعود السلام، وبما أن غالب طاقات الأمة معطلة وممنوعة عن الدخول في الصراع بسبب تفرقها على أوطان ونظم متشاكسة أو بسبب النظام الدولي ووعوده بإنصاف المسلمين فإن المسجد الأقصى سائر إلى الهدم –لا سمح الله القوي الجبار- في حال بقيت أمة الإسلام على وضعها الحالي ولم تضع ثقلها في الصراع، ومع ما أنجزه المجاهدون في الأرض المقدسة لكنهم لا يستطيعون وقف هدم المسجد بوضعهم الحالي، وقد يسعى اليهود إلى القيام بهدم جزئي للمسجد يختبرون فيه قابلية أمة الإسلام في هذا الشأن ويمهدون للهدم الكلي فما هو جواب علماء الأمة ورجالاتها على هذه الحقيقة الماثلة؟.


4- وأن الصراع على موضع المسجد الأقصى هو صراع عالمي قد يؤدي إلى دخول البشر في جنبات الأرض في مساراته بين داعم ومؤيد لليهود وهم الأغلبية خاصة من النصارى وبين متبرم من فساد اليهود وأوليائهم على المستوى العالمي، فهل سوف يستثمر المسلمون هذا التطور العالمي لصالح وصول هذا الدين إلى ما بلغ الليل والنهار من خلال عولمة الصراع؟


وإن المتأمل في علو اليهود الذي ورد في القرآن الكريم:(لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلون علوا كبيرا)الآية، ليدرك حجمه من خلال ما وصل له اليهود من سيطرة عالمية وحتى الأعداء المتشاكسون لكل منهم صلة ما وعناية خاصة باليهود كما نرى من الروس والصين، ورأينا كيف تتابع الأمم على الاعتراف بإسرائيل عام1948م فسبقت أمريكا ثم الاتحاد السوفييتي بعد ذلك بثلاثة أيام.


ومما يقتضيه فهم الآيات من فواتح الإسراء هو تبادل الأدوار بين حملة الحق وجنود الباطل والذين يمثلهم اليهود خير تمثيل بدليل ما ورد من وصف اليهود في الكتاب والسنة، ففي الآية ما يشير بوضوح إلى هذا التبادل أو الإدالة (فإذا جاء وعد أولاهما) الآية، (فإذا جاء وعد الآخرة)الآية، ويتبين من هذا التداول ضرورة تلبس أحد الفريقين بصفات محددة في كل مرة يدال لهم أو عليهم ولعل من أهم تلك الصفات الرغبة المسيطرة على الفريق المغالب لدخول الأرض المقدسة والعودة إليها ومنها كثرة النفير ومنها الذلة والهوان اللذان يضربهما الله عز وجل على من يتخلى عن هذه الأرض ومسجدها وهو ما يعانيه المسلمون الآن، ومنها انبعاث أولي البأس الشديد بين المؤمنين الموحدين وهو ما بدأت بوادره بفضل الله المنان عز وجل فبعد أن طال الأمد على المسلمين وهم يحاولون استرجاع فلسطين عبر ما يسمى بالنظام الدولي وعبر تفريغ الصراع من مضامينه العقدية وصبغه بالألون القومية والوطنية إذْ يشاء الله عز وجل أن يخرج من بينهم المجاهدون الأشداء.


فإذا كنا اليوم نستوعب هذا الفهم في بعده النظري ونحن خارج فلسطين فقد سبقنا أهل فلسطين المعاصرون فاستوعبوه عمليا من خلال نهضتهم المباركة وتوكلهم على القوي العزيز ومبادأتهم العدو اليهودي بالقتال من خلال إعداد الرجال أولي البأس الشديد، ومع ما أحدثته تلك المبادأة من أمل في جنبات الأمة المسلمة ومع ما رسمته من واقع عملي في مسيرة إنقاذ القدس وتغيير أوضاع المسلمين، فإن من واجب العلماء والمهتمين بشأن المسلمين عامة وشأن القدس خاصة أن يسعوا لفك أهم العقد والموانع التي تحول دون تواصل الأمة ودعمها للمجاهدين في فلسطين وأن يضعوا أيدهم على توصيف دقيق للمرض العضال الذي بات يهدد هذه المسيرة المباركة.


وفي هذا السبيل وبناء على دعوة الأخوة الكرام في الحملة العالمية لمقاومة العدوان يسعدني أن أتقدم بهذه المقاربة للأزمة الفلسطينية استجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصح المسلمين عامتهم وخاصتهم كما جاء في حديث تميم الداري رضي الله عنه الذي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، قلنا: لمن يارسول الله؟ قال: لله وكتابه ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.رواه مسلم


وستشمل هذه المقاربة محاولة لإثارة وتسليط الضوء على المفردات التالية:




• القدس في ظل النظام الدولي ومفرداته


• القدس في ظل النظام السياسي والفكري للعرب والمسلمين


• القدس في ظل الحراك الإسلامي والجماعات الإسلامية


• مؤشرات في استراتيجية الإنقاذ المتبادل ما بين القدس وأمة الإسلام




ثانيا: القدس في ظل النظام الدولي ومفرداته


ويمكن استعراض الحقائق التاريخية التالية في هذه المفردة:


1- يرجع تأسيس دولة اليهود على أنقاض فلسطين إلى مرحلة مبكرة من القرن العشرين الميلادي على يد الإنجليز وبدعم بقية النصارى في العالم خاصة الأمريكان حيث جمعت بين اليهود والنصارى عقيدة البروتستانت المتهودين وبلغ الأمر أن شجع النصارى اليهود لخوض غمار الحرب العالمية الأولى تدريبا واستعدادا للسيطرة على فلسطين.


2- وارتبط تأسيس الدولة اليهودية بالعمل على إسقاط الخلافة الإسلامية العثمانية وإن كان السقوط مرتبط في بعض جوانبه بعوامل داخلية في الأمة المسلمة والدولة العثمانية على وجه الخصوص.


3- كما ارتبط تأسيس دولة اليهود بإعادة تنظيم واقع الأمة الإسلامية خاصة في المنطقة العربية حيث بذل الإنجليز جهودا كبيرة في تأسيس النظم السياسية والدويلات وكذا الأحزاب العلمانية والشيوعية وكان إعلان قيام دولة اليهود سابقا لإعلان الاستقلال الشكلي للدول العربية كما سعى الإنجليز إلى دفع الروح القومية كبديل للروح الإسلامية سواء عند الأتراك او عند العرب وغيرهم من المسلمين وتم تشجيع الفئات الفكرية المناقضة لروح الإسلام خاصة في مصر وبلاد الشام، وقد بلغ تأثيرالروح القومية إلى درجة قيام بعض العرب بمحاربة إخوانهم في العقيدة من الأتراك لصالح الإنجليز مما مهد منطقة العرب للهيمنة الإنجليزية ومن ثم اليهودية فدخل القائد العسكري البريطاني (اللنبي) غزة ثم القدس وميمنته محمية بقوات من العرب يقودها الأمير فيصل بن الحسين عام 1917م.


4- تدافع العرب على أعتاب النصارى في عصبة الأمم ثم في منظمة الأمم المتحدة فما زادهم ذلك التدافع والجري وراء النصارى إلا ذلا على ذلهم وقد لعبت الأمم المتحدة دورا حاسما في تثبيت دولة اليهود ودعمها السياسي والعالمي وقد مضى على هذه التجربة ما يقرب من القرن دون أن يراجع العرب أنفسهم في هذا الشأن.


5- دخل المسلمون على خط صناعة النظام الدولي فقط عندما عزم الأفغان عام 1979م على قتال الاتحاد السوفيتي الملحد أكبر دولة ملحدة عرفها التاريخ الحديث وأيدهم في ذلك قيادات العمل الإسلامي خاصة الإخوان المسلمون ومع الثمن الباهض الذي دفعه المسلمون لدفع أذى الملحدين حيث بلغ عدد شهداء الأفغان قرابة المليون والنصف شهيد وقرابة خمسة ملاين مهجر فإن الأمريكان غدروا بالمسلمين وركبوا موجة التغيير بسقوط الاتحاد السوفيتي عبر استهداف المسلمين واعتبار عقيدتهم هي المهدد الأول للسلم الدولي كما يزعمون واتخذوا بلاد المسلمين مسرحا للتغيير في النظام الدولي وطريقا لوضع بقية الأمم تحت الوصاية الأمريكية العالمية وبهذا الوهم أشعل الأمريكا الحرب تلو الحرب بدءا من عام 1991 عندما ضربوا العراق مرورا بالصومال ثم أفغانستان عام 2001 وأكملوا مهمتهم الكاذبة في العراق عام 2003ومع التحول في رؤية الأمريكان للنظام الدولي لكن بقيت إسرائيل حجر زاوية في نظامهم العسكري والأمني العالمي.


6- ومن أهم ما يلاحظ في النظام الدولي هو أن دعم اليهود لا يقتصر على النصارى البروتستانت وحدهم فإن الروس والهندوس والصينيون وغيرهم من ملل الكفر يجمعون على أهمية بقاء إسرائيل واعتبارها أساسا لا يمكن تجاوزه في المنطقة واعتبار الفلسطينين هامشا بشريا يمكن إعطاءه - في أحسن الأحوال- دولة قابلة للحياة كما يقولون! ولعل النموذج الروسي هو أحسن ما تطلع له العرب في نصرة قضيتهم فما زادهم ذلك إلا بلاء ولئن كان للعلمانيين من أمثال ياسر عرفات وبقية الفصائل الفلسطينية العلمانية عذر في الوقوع في وهم الدعم الروسي لهم فإن الخوف أن يتم إدخال المجاهدين في فلسطين إلى كذبة النظام الدولي عبر الغزل الروسي، وأين كان الروس عندما كان اليهود يصبون حممهم على غزة في الحرب الأخيرة؟


ومع ذلك فإن إمكانية حدوث انشقاقات وتناقضات في مفردات النظام الدولي واردة بل هي متحققة ويمكن لقيادات الجهاد أن تبحث عن فرصة للنفاذ من خلال هذه الشقوق واستثمارها لصالح الأداء الإسلامي لكن التحذير من الوقوع في فخ النظام الدولي هو المقصود من الشرح في مقدمة هذه النقطة.


7- لم تكتف مفردات النظام الدولي بوضع ثقلها بجانب اليهود طوال التاريخ الحديث بل إن تلك المفردات سعت جاهدة لتفكيك أي خطر محتمل في الجانب الإسلامي ومن ذلك السعي التدخل لخلخلة الوضع الفلسطيني لصالح الزمرة العلمانية المتخاذلة والذي نجم عن فرض المجاهدين لوجودهم عبر صناديق الاقتراع واختراقهم للأداء السياسي الفلسطيني، إذ لولا أدوار مفردات النظام الدولي لما كان لزمرة أبي مازن دور ولا وجود على الساحة الفلسطينية.




وبذلك الاستعراض الملخص يتبين أن مفردات النظام الدولي استُخدمت طوال القرن العشرين وبقيت كذلك مُستخدمة في العقد الأول من الألفية الثالثة باتجاه دعم اليهود وضرب الاتجاه الجهادي المقاوم بين الفلسطينين سواء بالعصا الأمريكية الغليظة التي تسهم في حصار غزة أو بخيط الحرير الأوروبي والروسي الساعي لإرجاع المجاهدين إلى بيت الطاعة الدولي.




ثالثا: القدس في ظل النظام السياسي والفكري للعرب والمسلمين


ويمكن استعراض الحقائق التاريخية التالية في هذه المفردة:


1- إن اعتماد النظام السياسي العربي واستناده إلى النظام الدولي من حيث الاعتراف بكل دولة على حده ومن خلال خضوعه لعلاقة خاصة بالدول المستعمرة جعله جزءا لا يتجزأ من النظام الدولي وبالتالي فإن معالجته ونظرته للقضية الفلسطينية بقيت أسيرة لمعطيات ذلك النظام وكل الذي فعله النظام السياسي العربي أنه كان يوفر غطاء للتمدد اليهودي في كل مرة يزمع اليهود على ذلك التمدد سواء تم ذلك بالحرب أو بالدبلوماسية اليهودية وقد حدث هذا منذ أن أعلن الملوك والرؤساء العرب الهدنة من طرف واحد إبان حرب 1948 وتوالت بعد ذلك تعامل النظام العربي مع الواقع الذي يصنعه اليهود حتى ابتلع اليهود كل فلسطين وهيمنوا على القدس كاملة وشرعوا في تدشينها كعاصمة لدولتهم وقد انتهى الأمر بالنظام السياسي العربي إلى المسارعة بعقد العلاقات السرية والعلنية مع اليهود ولولا الممانعة الشعبية لرفرف علم إسرائيل في أغلب العواصم العربية منذ زمن بعيد.


2- التزم النظام السياسي العربي بكل إملاءات النظام الدولي باحترام حدود إسرائيل ووجودها بل وسعت دول الطوق إلى منع أي نوع من أنواعى المقاومة انطلاقا من حدودها ودخلت في صراع مرير مع الفصائل الفلسطينية في هذا الشأن كما سعت مخابرات تلك الدول إلى استقطاب الفصائل الفلسطينية وضرب بعضها ببعض بل وقعت المذابح للفلسطينيين في بعض البلدان العربية.


وإن من أخطر الأدوار السلبية التي لعبها النظام السياسي العربي هو امتصاص غضبة الشعوب العربية والمسلمة عند وقوع الأحداث الكبرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية وذلك عبر التنادي إلى المؤتمرات وإصدار البيانات والإدانات مما جعله غطاء غير مباشر لتمرير إفساد اليهود في أرض المقدسات كما فعل ذلك النظام إبان الحرب على غزة، بل إن النظام السياسي في العالم العربي قد سجل اختراقا تاريخيا كبيرا وخطيرا للقضية الفلسطينية وللأداء الجهادي فيها عندما استغل الضغوط التي وقع تحتها المجاهدون في فلسطين فأقروا بقبولهم دولة (مهلهلة) في ما بقي من حدود حرب 1967 بغض النظر عن المعطيات التي جعلت المجاهدين يوافقون على هذه الخطة والتحفظات التي وضعوها عليها فإن العرض يشمل في الأساس اعترافا بإسرائيل ويقبل ما تتنازل عنه إسرائيل من بقايا أرض 1967.


3- التزم النظام العربي بمعطيات التحول في النظام الدولي الذي قاده الأمريكان خصوصا باستهداف النهضة الإسلامية المتمثلة في الحراك الجهادي باعتباره الخطر المهدد للأمن الدولي كما تزعم أمريكا وهذا بدوره أدى إلى تطبيق خطة تجفيف المنابع واستهداف العمل الإسلامي بكل ألوان طيفه من تكميم المساجد إلى منع التبرعات والدعم المادي بل ومحاربة لجان مقاومة التطبيع مع اليهود وكانت القضية الفلسطينية من أهم الساحات التي تأثرت بهذا التحول والاستهداف حتى وصل الحال بهذه النظم أن تشارك في حصار المجاهدين في فلسطين بل وتعتقل الجرحى منهم وتسلط عليهم كل أنواع الأذى الجسدي والمعنوي وبلغ الأمر باليهود أن ينقلوا معركتهم مع المجاهدين للساحات العربية فيقتلوا وبدم بارد دون أن يخشوا العواقب.


4- وبعد أن تمكنت قيادات العمل الإسلامي بفضل الله المعين أن تتجاوز التحديات العالمية والإقليمية والتهديد العقائدي الذي تمثل في المشاريع الأممية كالمشروع الشيوعي العالمي وخطر المشاريع القومية كالقومية العربية والقومية التركية وغيرها، في ظل ذلك يأتي المشروع الوطني والانغلاق القطري كأحد أهم العقبات أمام الأداء الإسلامي إذْ بانغلاق أجزاء الأمة في المصلحة الوطنية والقطرية المحدودة التي أنتجت شعارات تلقفها النظام السياسي ووظفها كشعار (الأردن أولا) فقد ضاقت على إثر ذلك فسحة الحراك السياسي والدعوي والثقافي والفكري لصالح دعم القضية الفلسطينية.


5- لعب العلمانيون في العالم العربي والإسلامي بشتى نحلهم دورا هاما في حرف مسيرة المسلمين والعرب خاصة عن حقيقة الصراع العقدي مع اليهود واعتبروه صراعا على أرض ثم ما لبثوا أن طالبوا ببيع الأرض أو استبدالها بأرض أخرى وكان للاشتراكيين الشيوعيين الملحدين وللقوميين العرب الدور الأكبر في ذلك حتى تسلم النصارى دور الريادة والتوجيه الفكري في الأمة بناء على تلك الرؤية فلما تسلم اليهود القدس من تحت أيدي القوميين العرب والناصريين ظهرت عوراتهم وبان خزيهم بدأت الأمة في التحول عنهم ومع ذلك لا يزال لهم حضورهم الدعائي فكأن دورهم لم ينته بعد.


6- ويأت الاستقطاب الاستخباراتي الحاد في ظل المشروع الأمريكي العالمي وتوظيفه للنظم العربية باختراق تلك النظم وربط مسيرة الأداء السياسي فيها بقوانين أمنية مستجدة ومبررات محاربة الإرهاب لكي يغلق كل هوامش الرؤية المستقلة المتبقية لدى هذه النظم ويضعها رهينة في رؤية البيت الأبيض وحروبه الاستباقية والتحولات التي يرغب بإحداثها في ساحات البلاد الإسلامية كما فعل في العراق وإنشاء دولة للشيعة ثم هو يدعي أنه يحمي البلاد العربية من التمدد الشيعي في المنطقة.


وبعد ذلك التلخيص لواقع وتاريخ النظم السياسية في العالم العربي وعلاقتها بقضية فلسطين والقدس يحق لسائل أن يسأل: هل بقي في ساحة النظم السياسية في العالم العربي والإسلامي وفي سحرته من العلمانيين ما يمكن أن يعول عليه لدفع مسيرة فلسطين والقدس نحو تحرير أو استعادة حقوق؟






رابعا: القدس في ظل الحراك الإسلامي والجماعات الإسلامية


ويمكن استعراض الحقائق التاريخية التالية في هذه المفردة:


1- إن الحراك الجهادي ضد اليهود قد ورث معطيات المسيرة الإسلامية المعاصرة من توجهات إصلاحية ونهضوية في بعدها النظري الاجتهادي وفي بعدها العملي الميداني وذلك لما يمثله الجهاد من ذروة سنام الإسلام، فإن المتعلقين به تتبلور في ساحتهم وتنتهي إليهم مآلات الاجتهاد وقيادة العباد، كما أنهم قد ورثوا معطيات المسيرة الإسلامية المعاصرة بما تمثله فلسطين من رمز عقدي وتاريخي فعلى ساحتها تؤول كل معطيات وحقائق الصراع بين الحق والباطل وذلك لما ورد في الكتاب والسنة من أدلة ففي سورة الإسراء تتضح مآلات الصراع ومفرداته الأساسية وكون اليهود والنصارى في لباب هذا الصراع ضد المسلمين وكذا مفردة المسجد ومفردة إفساد اليهود العالمي إلى غير ذلك من المفردات، ومن الأدلة الآيات التي أنبأنا بها العليم الخبير عز وجل عن طبيعة اليهود وخيانتهم وذلتهم، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث عن قتال اليهود ودور فلسطين والشام عموما في هذا الشأن ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء فهم كالإناء بين الأكلة حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك قالوا يا رسول الله وأين هم قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس.(انتهى)


فإن المجاهدين في فلسطين لما تمكنوا من تأسيس الدور الجهادي ضد اليهود في قلب فلسطين نصبوا بذلك راية النهضة الإسلامية المعاصرة وفتحوا أبواب الصراع على مصراعيه فلا يستطيع فرقاء اللعبة الدولية أن يغلقوه مهما احتالوا على المسيرة الإسلامية عبر تقسيمها إلى أوطان وأزمات اقتصادية وخلاف بين شعوب وقوميات وهذا ما أثبتته الأيام حتى بلغ الأمر أن أهل فلسطين أنفسهم لم يعد بمقدورهم أن يعيدوا المسألة إلى قمقمها الفلسطيني الوطني وإلا انتهوا إلى ما انتهى إليه ياسر عرفات وفريق العلمنة الفلسطينية، مع العلم بأن النظام الدولي على الضفة الأخرى قد استطاع أن يستوعب حراك المسلمين العام ومحاولاتهم بالخروج من نظام الهيمنة النصرانية واليهودية في مواقع أخرى غير فلسطين كما حصل من تنفيس المسيرة الجزائرية ومنع التحولات الإسلامية فيها وفي مواقع اخرى كثيرة من العالم.


2- إن الخطر على المسيرة الجهادية قائم - رغم ما حققه المجاهدون في فلسطين- وذلك من خلال المحاولات المستميتة والمتواصلة لحرف المسيرة الجهادية عن مسارها العقدي وأرضيتها الإسلامية واستخدم لذلك طائفة من الوسائل كان أولها استهداف القادة الذين مثلوا البعد العقدي وأصّـلوا له كالشيخ أحمد ياسين والشيخ فتحي الشقاقي رحمهما الله والقائمة الطويلة من قيادات المسيرة الجهادية المعاصرة في فلسطين، كما استخدمت مفردات النظام الدولي كالمنظومة الأوربية والمنظومة العربية وفتح باب العلاقات الروسية كي تلين عريكة المجاهدين عبر حرير العلاقات الدبلوماسية بعدما فشلت جهود تليينها عبر القتل والسجون، وأخيرا سمح النظام الدولي لإسرائيل أن تصب آخر ما أنتجته مصانع العملاق الأمريكي من أسلحة الدمار الشامل على غزة في حرب لا تطيقها الدول فضلا عن أن يطيقها شريط ساحلي لا يتجاوز في مساحته 365 من الكيلومترات المربعة؟


ولعل مما يثير المرارة والسخرية معا في هذا الشأن هو أن تعيب مفردات النظام السياسي والفكري في العالم العربي على المجاهدين في فلسطين اضطرارهم للتحالف مع الشيعة مما أباحه لهم الشرع بعد أن أجمعت الدنيا على حربهم وحصارهم، بينما ذلك النظام يستريح في ظل التحالف الأمريكي فهم كمن يرى الشعرة في عيون الآخرين ولا يرى القذاة في عينه!


3- وإن مما أبدعه أهل فلسطين وقيادة الجهاد الفلسطيني هو جمعهم ما بين الأداء الجهادي والحفاظ عليه ومرونة الأداء السياسي الداعم للمسيرة الجهادية عبر تحصيل الشرعية السياسية للجهاد مقابل السحب التدريجي لتلك الشرعية عن نظام السلطة الأوسلوية وعبر نسج مظلة تحالفية وإن كانت مهلهلة بعض الشيء لكن ظروف المرحلة توجب البحث عن هذه التحالفات ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد وقع صلح الحديبية الذي كان فتحا بنص الكتاب المبين ففي ظلاله اعترفت قريش بوجود الدولة الإسلامية الناشئة بل والنظام الإسلامي الذي كان يلغّـم جزيرة العرب عقائديا من تحت قريش لخلع سلطانها الجاهلي، وهَـمّ صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بدفع ثلث ثمار المدينة إلى قبيلة غطفان حتى يفك الحصار عن المدينة.


4- ويصب في مسار وراثة المسيرة الإسلامية المعاصرة ودعم القضية الفلسطينية ما وفق الله إليه أهل أفغانستان وأهل العراق بالاستجابة الجهادية المباركة تجاه الغزو الأمريكي المسلح للمنطقة وقبولهم بما تعين عليهم من فرض الجهاد ومقابلة دهم الكفار لبلادهم فنهضوا كجناح آخر في الأمة يتعامل مع عدو لا يقل خطره عن اليهود بل إنه هو الأساس في وجود اليهود واستمرارهم فهو الضامن العالمي لبقاء القدس مدنسة تحت أقدامهم النجسة، ففتح المجاهدون في أفغانستان والعراق بذلك باب الأمل بفك الحصار عن فلسطين عبر هذا التجديد المبارك والفتح العظيم لمسيرة المسلمين المعاصرة.


5- إن من مهددات المسيرة الجهادية في فلسطين سيطرة الانغلاق التنظيمي والاجتهادي إلى حد ما على فصائل العمل الإسلامي والجماعات الإسلامية حتى أصبحت مسطرة الاجتهاد في كل جماعة هي الأساس في رؤية الآخرين وبالتالي التعامل معهم قبولا أو رفضا وأقصد بذلك توزع الأداء الجهادي ما بين اجتهاد الإخوان المسلمين والسلفية الجهادية وبقية الاجتهادات الإسلامية المعاصرة بل وحتى الأداء الصوفي مرشح للدخول في معادلة الاحتكاك والحساسية الجماعية ومع أن السلفية الجهادية ليس لها واقع متقدم في فلسطين لكن انعكاس التناقض الاجتهادي ما بين الإخوان المسلمين والسلفية الجهادية قد بدأ يلغّم الساحة الفلسطينية بادعاء أن الإخوان يعملون لصالح مشروع وطني لا علاقة له بالجهاد، وبدلا من أن تستثمر التعددية الإسلامية المعاصرة في تقوية الأداء الإسلامي الكلي وفي امتصاص ضغوط النظام الدولي ومفرداته والتعامل معه فقد وقعت الجماعات الإسلامية في حساسية ونفرة من بعضها البعض وتنافس مذموم سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه إن بقيت المسيرة دون تعديل ودون إصلاح ذات البين التي أمر بها الله ورسوله والتي ما وردت إلا لتنبيه المجاهدين إلى خطورة الغفلة عنها وذلك في ساحة الجهاد خصوصا حيث يقول الرب تباركت أسماؤه: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)الأنفال:1 وغالبا ما يغفل المجاهدون عن هذه الحقيقة بسبب الدنيا والحرص عليها مهما بدا الأمر غير ذلك، وليس من مجال لإصلاح هذا الخلل في صفوف المجاهدين إلا بالتواصل والذلة بين المؤمنين، وإلا فإن أدائهم كله يصبح مُهددا بضم الميم وفتح الهاء كما أخبرنا من أمر بالجهاد عز وجل في قوله: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) الأنفال:46. فإذا كان لظروف النشأة والتأسيس وظروف الملاحقة الأمنية والكيد النصراني واليهودي أثره على هذه التعددية فلا ينبغي ترك هذا الأداء والعلاقة في الصف الإسلامي تصل إلى التشكيك والقطيعة فإنه يوشك اليهود أن يرتاحوا ويتركوا المدارس الإسلامية المعاصرة تصطرع فيما بينها فيقع المسلمون في أخطر ما حذرنا منه الله ورسوله وهو أن يكون بأسنا بيننا شديدا، ومن أعجب ما جرى في هذا الشأن أنه في الوقت الذي خفقت فيه قلوب المسلمين فرحا بفشل خطة الاجتياح الاسرائيلي لغزة في تلك الحرب الضروس والثبات الذي أبداه المجاهدون في تلك الحرب كان بعض فرقاء العمل الإسلامي لا يرون في ذلك كبير إنجاز!


6- لقد مثل تقدم المجاهدين في غزة وفق معايير الأداء الإسلامي الكلي والحراك الإسلامي المعاصر نقطة تحول هائلة في تاريخ الصراع مع اليهود والنصارى معا وهي تحرير أرض من فلسطين على ضآلة حجمها لكنها في الميزان الاستراتيجي كبيرة وأخرجوها بذلك - حتى الآن- من مظلة مفردات النظام الدولي وتوابعه العربية ولذا كانت ردة الفعل الاسرائيلية والدولية خارجة عن قدرات الفهم والاستيعاب وفق الموازين السياسية والعسكرية والاستراتيجية والأعجب من ذلك هو الثبات الذي حبا به رب العزة عباده في غزة فجددوا بذلك سنة نبيهم في الثبات عند الزلازل: (إذْ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذْ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا)الأحزاب:10،11


ولذا فإن من أهم أولويات النظام الدولي في هذه المرحلة شطب ما أنجزه المجاهدون في غزة وإرجاعهم إلى بيت الطاعة الدولي، وإن من أهم ما رسمه المجاهدون وأسسوا له بهذا الفعل في مواجهتهم للسلطة الأوسلوية هو سابقة اجتهادية دقيقة مفادها أن النظام السياسي إذا اصطدم بثوابت الأمة وانحاز لليهود والنصارى فإنه خلعه ممكن بل وواجب في حال تظافرت مؤيدات الخلع وهو ما يرسم خيطا رفيعا ودقيقا لمستقبل علاقة النظم السياسية في العالم العربي والإسلامي بالشعوب المسلمة وحراكها العام.


7- لقد مثلت قضية المقدسات في فلسطين وهيمنة اليهود عليها الرافعة الاستراتيجية للرؤية الإسلامية المعاصرة وتطبيقاتها وهي المرشحة للدفع بالمراحل المتبقية من حراك المسلمين المعاصر نحو التمكين والخلافة الإسلامية ولكن ذلك لن يتم بالقعود والانتظار وبدون وجود خطة ورؤية ومراحل محددة فقد رأينا كيف ألهبت القدس ودماء المسلمين في غزة مشاعر المسلمين وكيف انكشف الغطاء عن النظام العربي الرسمي ولكن لم تتمكن الحركات الإسلامية في البلدان المختلفة خاصة دول الطوق ومواقع الثقل الاستراتيجي كمصر وغيرها من استثمار هذا التهديد لإحداث نقلات استراتيجية في فاعلية الشارع الإسلامي والشعوب المسلمة فينقص الموقف رؤية ومشروع وحراك عام يتناسب وعظم التحديات ويتطلب الموقف خروج من الحسابات الضيقة إلى سعة الساحات العامة فقد أجاد النظام الدولي والنظم السياسية التابعة له لعبة إشاعة الخوف والتهديد برموز عالمية كسجن جوانتانامو وسجون العراق وسجون مصر لكن الله عز وجل قد أذن بخروج الجيل الجديد الذي ينتمي إلى أولي البأس الشديد من جهة وأذن الله عز وجل بتضعضع النظام الدولي وكثرة الفراغات فيه سواء كانت سياسية أو اقتصادية وكأننا أمام نفس اللحظة التي بشر الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم بالتحولات الدولية في قوله: (ألم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤنون، بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم)الروم:1-5






خامسا: مؤشرات في استراتيجية الإنقاذ المتبادل ما بين القدس وأمة الإسلام




إنه لم يبق أمام المسلمين إلا خيارين إثنين لا ثالث لهما فإما أن يتقدموا لإنقاذ مسجدهم أو أن يقعدوا يبكوا على أطلاله كما بكى اليهود قرونا على مخالفتهم أمر ربهم ونبيهم فحرمت عليهم القدس لجُـبْـنهم وحبهم للدنيا: (ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون)المائدة:21،22 ويقول القرطبي في هذا: لما دعا عليهم موسى عليه السلام حين نكلوا عن الجهاد حكم الله بتحريم دخولها عليهم مدة أربعين سنة فوقعوا في التيه يسيرون دائماً لا يهتدون للخروج منه(انتهى).


ولم يبق أمام اليهود بعد أن صعد نجم أحبارهم بينهم إلا أن يستجيبوا لنبؤاتهم الكاذبة ببناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، وأخطر ما في الأمر أنه لم يتبق طويل وقت على وصول نقطة الصفر هذه مما يمكن أن يدفع بالمسلمين إلى تيه هدم المسجد الأقصى وهم لا يملكون تصورا جامعا ولا خطة شاملة للتعامل مع هذه اللحظة الحاسمة في تاريخهم وتاريخ البشرية جمعاء.


كما أن الأمة المسلمة مقيدة مكبلة بواسطة النظم السياسية المسلطة عليها وكأن حال هذه النظم يحكي ما أخبرنا به الرب عز وجل في قوله: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ولئن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون، لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون)الحشر:11،12


وبناء على المعطيات العقدية والمعطيات التاريخية والمعطيات الواقعية والتي تؤشر باستحالة امكانية الحفاظ على المساجد دون الدخول في مسارات المدافعة كما أمر الله عز وجل بقوله: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز)الحج:40




وعليه فإنه يمكن أن نتأمل في المؤشرات الاستراتيجية التالية في محاولة الإنقاذ المتبادل ما بين القدس وأمة الإسلام:


1- لا بد وأن تأخذ عملية الإنقاذ للمسجد الأقصى واستعادة القدس وكل فلسطين مسارين متكاملين ومتداخلين في آن واحد فمن جهة ينبغي أن يستثمر خطر وتهديد المقدسات لوضع آليات جديدة لإطلاق نهضة شاملة في أوساط المسلمين تستشرف الخلافة الإسلامية والتمكين لدين الإسلام في آفاقها العليا وترفض نظام الوصاية والقهر الدولي وتؤدي إلى تحرر حقيقي في النظام السياسي والاقتصادي والثقافي، ومن خلال هذه المدافعة يتم توجيه الجهود لدعم المجاهدين في فلسطين وتوسيع نطاق المقاومة ضد الداعمين المباشرين لليهود واحتواء الاستراتيجية الأمريكية باتهام المسلمين بالإرهاب عبر تبني الإرهاب كاستراتيجية مضادة لمن يستهدف ويبادئ المسلمين بالحرب والإخراج من الدور حسب ما أمر الله عز وجل به المؤمنين: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)الأنفال:60


2- أن تتداعى قيادات الأمة الحقيقية من علماء ومسؤولي التنظيمات الإسلامية المختلفة والمستقلين ومشايخ القبائل إلى الالتقاء على استراتيجية جامعة وشاملة تحدد أهداف الأمة المسلمة العليا في هذه المرحلة من تاريخها وتحدد وسائلها العامة ومراحلها التنفيذية لبلوغ تلك الأهداف وترسم أدوار الجماعات والشعوب في إسناد وتنفيذ هذه الاستراتيجية.


3- أن يتم الالتزام بمجموعة من السياسات والضوابط العامة في مسيرة النهضة المعاصرة تمنع الإرتكاس والوقوع في الدوائر الضيقة النتنة مهما بدت تلك الدوائر أثيرة لدى أصحابها ومن هذه السياسات والضوابط:


• أن يعترف ويقر جميع العاملين لنصرة الدين وإرجاع المسجد الأقصى داخل فلسطين وخارجها من المجاهدين ومن غيرهم بأن اجتهاد كل فريق منهم ورؤيته هو اجتهاد صحيح حسب رؤيتهم قابل للخطأ في بعض أجزائه وأنه لا يمكن أن يُنزل الاجتهاد مكان الدين وبناء عليه فإن وجود التعددية الفقهية والتعددية السياسية والتعددية الفصائلية مما يسوغ في الشرع بل ويدعو إليه وإلا فكيف يكون التعاون على البر والتقوى إذا لم يُقر قبل ذلك تعدد المتعاونين عليه؟ وإن الظروف العالمية وشدة الضغوط على الأمة المسلمة والساحات الشاسعة للأمة المسلمة لتحتاج إلى النفرة المتعددة وفي كل الوجوه.






• أن يعترف ويقر جميع العاملين لنهضة المسلمين المعاصرة والمجتهدون بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُجْبر الأمة على اتباع اجتهاد واحد من الاجتهادات الإسلامية المعاصرة وإلا وقع المسلمون في عضوضية فضلا عن الجبرية والدفع في هذه المرحلة ينبغي أن يكون نحو تبني صفة الرشد في النظام السياسي المستهدف في نهضة المسلمين وهو ما يتعارض مع سياسة العصبيات والانغلاق سواء كانت تلك العصبيات عصبيات عرقية أو شعوبية أوعصبيات الانتماء إلى الاجتهادات الإسلامية المعاصرة مادام الناس ملتزمين بسقف أهل السنة والجماعة عقيدة وعبادة وسلوكا وجهادا.


• أن يقر ويعترف أهل السياسة بأهل الأداء الجهادي والعكس صحيح وأن لكل فريق ساحته وضروراته وموازينه في إدارة تلك الساحات مع بقاء الأمر بالمعروف بينهم والنهي عن المنكر دون أن يشوب الأمر طعن واتهام بعدم مراعاة كل فريق لظروف ومعطيات الفريق، ويقتضي وفق هذا الضابط أن يسعى الجميع للتكامل والتلاقي على المدى البعيد وإن فرقت بينهم ظروف الواقع الحالي، مع أهمية أن لا يتناقض أداء أي فريق منهم مع الأهداف الاستراتيجية الجامعة والتي تضبط المسيرة العامة لأداء المسلمين.


• أن يقر جميع العاملين لنهضة الأمة بحق من سبق من إخوانهم فأوجد واقعا سياسيا كان أو جهاديا أو دعويا في بقعة من الأرض وأن يحترموا هذا السبق فلا يسعوا لإشعال روح التضاد والمنافسة المذمومة وعلى السابق والمهيمن أن يفسح لإخوانه في التنافس على الخيرات فلا يستأثر بالساحة وحده.






4- أن يتيقن وأن يستوعب العاملون لنهضة المسلمين أن هناك دائرتين رئيستين للصراع في الاستراتيجية الكلية الأولى هي دائرة الصراع لتحقيق المشروع الإسلامي الكلي والنهضة العالمية والدائرة الثانية هي دائرة الصراع في البقعة المحددة قطرا كان أو إقليما وأن الدائرة الأولى تمثل سقف المشروع الإسلامي والدائرة الثانية حلقة في ذلك المشروع وأن العمل في الدائرة الأولى مكلف ومهدد في كل الاتجاهات لعظم التحديات ولكن لا مجال للتخلي عنها ولا إهمالها وأن تربية الشعوب الإسلامية ينبغي أن يركز على بناء هذا التصور وتحمل تبعاته مع مراعاة حال المسلمين والترفق بهم حتى يرتقوا إلى تحمل تبعات الدائرة الأولى وهو ما ينفذه المجاهدون في فلسطين فإنهم قد تحملوا أمانة فلسطين كل فلسطين ومقدساتها وهو ما يبدو ضد مصالحهم الآنية لكنهم آثروا حمل الأمانة الكبرى.




5- على الدعاة والعاملين لنهضة المسلمين أن يبثوا في الأمة خطة النفير العام التطوعي والتعبئة لخدمة القضية الفلسطينية ودعم المشروع الإسلامي عبر سلوك كل الدروب التنظيمية والإدارية والتعليمية والجهادية وغيرها فقد انكشف الغطاء ولم يعد هناك من عذر للقعود عن نصرة الدين كل بما يستطيع وفي كل الاتجاهات.


6- يرتبط مصير النظم السياسية ومستقبلها بمدى جديتها في دعم المقدسات في فلسطين ومن المتوقع أن لا تحيد هذه النظم عن مسيرتها الخاضعة لليهود والنصارى وعليه فتحتاج قيادات العمل الإسلامي إلى تصور للتعامل مع اللحظات الصعبة التي سوف تفرزها عنجهية اليهود ضد المسجد الأقصى وهو ما ينبغي استثماره لصالح التحولات الكبرى لا لتأكيد هيمنة الذل والهوان كما حصل في الجزائر عندما ألغى العلمانيون المهيمنون على الأمة نتيجة الانتخابات.




7- ينبغي أن تولي قيادات العمل الإسلامي أهمية خاصة لتطبيقات استراتيجية الفوضى الخلاقة الأمريكية فإنها قد قطعت شوطا كبيرا لمحاولة إعتادة تصميم وترتيب شؤون المسلمين لصالحهم فبعد أفغانستان والعراق جاء دور باكستان والسودان والدائرة مرشحة للاتساع مما يقتضي يقظة وخطة جاهزة للتعامل مع المستجدات وأخطر ما في الأمر هو وقوع بعض المسلمين في دائرة التوظيف لصالح الرؤية الأمريكية وإعادة إنتاج سايكس بيكو كما وقع البعض في العراق فخدموا أهدافا أمريكية وشيعية وهم يحسبون أنهم يخدمون أهلهم وشعبهم.


8- إن النظام الدولي ليجد في إنغلاق المواجهة بين الفلسطينين واليهود فرصة للدفع باتجاه توطين الأداء الفلسطيني مرة أخرى وهو ما يحتاج أن يعالج بدفع الأداء نحو العالمية ومشاركة شعوب المسلمين وقد أحسن المجاهدون باعتبار قضية القدس وفلسطين قضية إسلامية ولكن الأمر يحتاج إلى مسارات عملية لهذا التحول.


والله تعالى أعلم وأحكم


كتبه الفقير إلى ربه حسن أحمد الدقي


غرة جمادى الثانية1431هـ


15/5/2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق