السبت، 24 أبريل، 2010

السياسة والجهاد أي استراتيجية؟

أولا: المقدمة
ثانيا: أهم مسائل التنازع والاختلاف بين فريق السياسة وفريق الجهاد


ثالثا: مُسلـّـمات بين يدي التنازع
رابعا: مقاربة فك الاشتباك ما بين السياسي والجهادي


خامسا: الخاتمة


تاريخ إنجاز البحث:




أولا : المقدمة




إن الحمدلله تعالى والصلاة والسلام على رسول الهدى محمد بن عبدالله الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله عز وجل به الغمة وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أما بعد:


فأستشهد في مقدمة هذا البحث بما استشهد به الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى -وأين أنا منه- في مقدمة كتابه: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية وذلك عندما أشار إلى قول الخالق عز وجل في كتابه الكريم: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز) الحديد:25


وهي إشارة علمية دقيقة كيف لا وقد أتت من شيخ الإسلام رحمه الله ففي اعتقادي أنه أراد أن يشير في مقدمته إلى احتواء السياسة الشرعية على جانب النظر السياسي وجانب الإسناد الجهادي حتى تستقيم الحياة بهما وحول تفسير الآية يقول القرطبي:(أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب ، وهذه الأشياء ، ليتعامل الناس بالحق، وليعلم الله من ينصره وليرى الله من ينصر دينه(و) ينصره ورسله بالغيب قال ابن عباس: ينصرونهم لا يكذبونهم ، ويؤمنون بهم بالغيب أي وهم لا يرونهم )انتهى.


وإن أهم ما يحتاجه المسلمون في هذه المرحلة المدلهمة من تاريخهم أن يتداعى العلماء والحكماء ومن وهبهم الله عز وجل القدرة على التأصيل الشرعي لإنارة المبهمات وفك المعضلات بغية مقاربة الفتن التي تضرب ساحات المسلمين والسعي لتجديد وبلورة الاجتهادات التي تتعلق بمسائل التعامل مع تلك الفتن وتطويعها في مسيرة النهضة الشاملة، وقد يقول قائل: أوليست الساحة الإسلامية ملأى بالاجتهادات المختلفة والكثيرة فما الجديد؟ والجواب:بلى ولكن! ولكن تلك الاجتهادات على فضلها وتنوعها فإني أزعم أن أمرا خطيرا بات يهددها؟ وهو سيطرة الانغلاق على كل اجتهاد وعدم وجود قنوات استطراقية فيما بينها (أخذا من نظرية الأواني المستطرقة في الفيزياء) مع ضعف واختفاء أصحاب الاتجاه الثالث إن صح التعبير وهم الذين يقفون موقفا وسطا بين الاجتهادين ويفتحون بموقفهم هذا قنوات الحوار والصلح والتواصل بين فئتين عظيمتين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو حوار أولى وأهم من أي حوار آخر يمكن أن ينشط له المسلمون اليوم.


وإن التشخيص المبدئي يشهد بأن الواقع العملي للاجتهادات المعاصرة في ساحة المسلمين قد آل إلى انقسام بين اتجاهين اساسيين واضحين أحدهما قد انغلق في الرؤية السياسية لحل أزمات المسلمين وركز في معالجة أمور المسلمين على الأصول الفقهية التي تقول بمنع الضرر ورفعه وموازنة المصالح ومنع المفاسد قدر الإمكان والتدرج في إصلاح واقع المسلمين إلى غير ذلك مما يندرج تحت الاجتهاد الذي تبلور في الربع الأول من القرن الخامس عشر الهجري والذي يمكن توصيفه بنظرية تغيير واقع المسلمين باستخدام الديموقراطية والمشاركة السياسية وكذا نظرية إدارة الأزمات والتعامل مع الانهيارات . ولعل مما فاقم في انغلاق أصحاب هذا الطرح والاجتهاد على اجتهادهم ما رأوا من مآلات الاجتهادات التغيرية الأخرى والعنت الذي لحقها واجتماع النظام الدولي والنظم السياسية في بلاد المسلمين على حرب ومواجهة فريق الطرح الجهادي.


وأما الاتجاه الآخر فقد انغلق في مسار المعالجة الجهادية وما يدعم ذلك من أصول وثوابت الإسلام وما أبرزه واقع المسلمين من تحكم الكفرة في ساحاتهم السياسية والاقتصادية بل وحتى الثقافية والفكرية بناء على الرؤية الأمريكية والواقع الذي فرضه النصارى في بلاد المسلمين في المشرق والمغرب، وبناء على هذا المسار وهو المسار الجهادي فقد أصبح كثير ممن يتبنون هذا الاجتهاد في إصلاح واقع المسلمين يرون بأن أي جهد لا يصب في ساحة الجهاد المباشر هو جهد في غير محله، وقد ضاعت بين كلا الاجتهادين حقائق هامة وخطيرة بل إن صفوف المسلمين قد تخلخلت تخلخلا بات يهدد المصلحة العليا للأمة في الصميم، ولعل العراق ومن قبله الجزائر قد مثلا قمة ذلك التناقض بين الفريقين. ومما فاقم في انغلاق أصحاب هذا الطرح والاجتهاد على طرحهم رؤيتهم لمآلات الاجتهادات السياسية من دوران في نفس المكان وقدرة المنافسين سواء من النظم السياسية أو النظام الدولي (النصراني بامتياز) على شطب وتأخير تأثير الإسلام السياسي أو توظيفه في المسار العام لاستراتيجياتهم ـ وهو الأسوأ- كما حصل في فلسطين والجزائر(حماس فلسطين وجبهة الإنقاذ الجزائرية مثالان على الشطب) وكما هو حاصل في تركيا والعراق(حزب العدالة التركي والحزب الإسلامي العراقي مثالان على التوظيف).


ومن باب تكامل عرض الصورة الكلية المتعلقة بهذا المبحث فإنه يلزم أن نشير إلى حقيقة هامة في هذه المقدمة وهي أن هناك كتلا إسلامية آخرى من غير الفريقين المشار إليهما سابقا قد باتت تقف موقفا مبهما ليس له انتماء لا إلى فريق الاجتهاد السياسي ولا إلى فريق الاجتهاد الجهادي في التغيير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - دون أن نقلل من جهود الدعاة والعاملين للإسلام- وارتضت هذه الكتل والتجمعات أن تبقى صامتة وأن تمارس دورا مبهما بل هو أقرب إلى دور المنسحب من الساحة الذي آثر السلامة والنظر من بعيد وذهب بعضهم أبعد من ذلك عندما عمد إلى تفكيك تجمعه وإلغاء شاراته وراياته ونسيان تاريخ دعوته وترك ثغوره بلا حراسة ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر بحجة أن الظروف السياسية والأمنية لا تسمح وأن الخطر داهم فكان كمن رضي من الغنيمة بالإياب وكمن قبل أن يكون شاهد زور على تدهور الأوضاع وضياع السمات الإسلامية في بلاده مما يقتضي سرعة التوبة والتحول قبل أن تحل النقم ويعم البلاء ويكثر الخبث، فعن زينب ابنة جحش رضي الله عنها قالت : (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها قالت زينب بنت جحش فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث). رواه البخاري


وإن مما تركه لنا السابقون من علم يقول: إن من أصول الفقه أن الأمر كلما ضاق اتسع! أفلا يدعونا بل ويجبرنا هذا الضيق الذي نعاني منه والانغلاق الشديد بين الاجتهادات التطبيقية المعاصرة أن نتوسع فيما وسع الله تعالى لنا؟ أولم يدلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه السعة عندما عقد صلح الحديبية مع كفار قريش وفي نفس الوقت تابع بعض من أصحابه مقاتلة قريش بلا هوادة؟ وهم عصابة أبي جندل وأبي بصير؟ ولا أقصد أن أعقد مقارنة أو أن أنزل ذلك الحدث تنزيلا مباشرا على واقعنا المعاصر ولكني أدعو إلى البحث عن المخارج الشرعية بل الأداء الشرعي الدقيق والذي يقرب صفوف المسلمين ويرصها ويجعلها تخدم أهدافا موحدة وإلا فما أسهل التنازع وأن يذهب كل فريق منا مغاضبا وقاطعا رحمه بسبب اختلاف الاجتهاد!


وعليه فإن من أوجب واجبات العلماء في وقتنا هذا أن يتأملوا في كيفية ترويض الفتن والتعامل معها لا الهروب منها والاكتفاء بالتحذير منها وأن لا يتركوا مصير الأمة يتقرر في ساحات أمم الكفر شرقا وغربا ولا في دهاليز ومغارات أهل النفاق الذين يزيدونها ذلة على ذلتها ووهنا على وهنها؟ وهاهنا شرط مبدئي للفلاح والنجاح في تطبيق وتبني هذه السياسة أعني سياسة ترويض الفتن بل واستثمارها وذلكم الشرط أن نعي أن الفتن إنما تخرج من كهوف الذئاب الكافرة من نصارى ويهود ثم من مغارات الثعالب المنافقة والذين نجحوا مرحليا في إلصاق صفة الإرهاب والتطرف بالمجاهدين زورا وبهتانا بينما هم يفتنون المسلمين عن دينهم صباح مساء وبشتى الوسائل، كما فعل سابقوهم عندما ألصقوا صفة القتل وتجاوز الحرمات بالصحابة رضوان الله عليهم وعيروهم بقتل أحد المشركين في الشهر الحرام عندما قتلت سرية عبدالله بن جحش رضي الله عنهم عمرو بن الحضرمي في آخر يوم من رجب قبيل معركة بدر حيث نزل في ذلك قول الله عز وجل: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبيروصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)البقرة:217.


إذن فهي إدارة الفتن كما أدارها أبوبكر رضي الله عنه والتصدي لها وتذليل صهواتها كما ذللها وأدارها من بعده الكثيرون من قادة المسلمين في المشرق والمغرب وهي المقاربة بين السياسة والجهاد في ظل تصورات التمكين لدين الله عز وجل ولن يجدينا نفعا أن نقوم بدور التحذير من الفتن والهروب منها إلا إذا وصلت بنا الحال إلى النقطة التي سأل عنها حذيفة بن اليمان رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: (.....فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) رواه البخاري. ومن يرضى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تصل أمة الإسلام إلى الحال التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم - تنفيرا منها- وهي بقاء الأمة وتركها بلا جماعة ولا إمام؟ فما بالنا اليوم قد تسمرنا في أمكنتنا ننتظر الفتح القطري والمكاني والحكومي وقد تعولمت قضايا الأمم كلها وننتظر المنظمات الكسيحة العالمية منها والإقليمية وقد اتخذها الفاعلون على الساحة الدولية ممسحة لما علق بأقدامهم من طين وغبار المغالبة والمدافعة الدولية!


إن هذا البحث يأتي مكملا وداعما لما سبقه من بحوث في نفس السياق وهو سياق الرؤية الشاملة وبعيدة المدى أو ما يطلق عليه بالرؤية الاستراتيجية للمشروع الإسلامي المعاصر وهذه البحوث - لتذكير القاريء الكريم الذي لم يسبق له الإطلاع عليها- كالتالي:




1- كتاب ملامح المشروع الإسلامي
في الربع الثاني من القرن الخامس عشر الهجري.


طباعة ونشر مؤسسة الريان - لبنان


والكتاب متوفر على الموقع التالي:


www.malamehbook.com


2- بحث بعنوان: التدافع الأممي والامبراطوري


مضيق هرمز نموذجا.




ثانيا: أهم مسائل التنازع والاختلاف بين فريق السياسة وفريق الجهاد.


ويمكن الوقوف على أهم مسائل التنازع والاختلاف بين فريق السياسة وفريق الجهاد من خلال استعراض رؤية كل فريق ونقده للآخر كما يلي:


رؤية ونقد فريق الاجتهاد السياسي لفريق الاجتهاد الجهادي


أما النقد الموجه لفريق الأداء الجهادي من قبل فريق الأداء السياسي والذي باتت تمثله شرائح واسعة من قيادات العمل الإسلامي كحركة مجتمع السلم الجزائرية (حمس) وحزب العدالة والتنمية المغربي وحركة الإخوان المسلمين في مصر وفروعها في مواقع مختلفة من العالم كالتجمع اليمني للإصلاح في اليمن وحزب العمل الإسلامي في الأردن وغيرها والجماعة الإسلامية في باكستان وغير أولئك كثير على مستوى الأمة المسلمة، ويمكن بكثير من التحفظ أن نضم إليهم حزب العدالة والتنمية التركي والحزب الإسلامي العراقي وذلك بسبب ما ذهب إليه هذان الحزبان من تجاوز لثوابت الأداء في المنهج الإسلامي وبالتحديد تفريطهما في تعاملهما مع أعداء المسلمين المحاربين وهم الأمريكان والقبول بخدمة الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في ما بات يعرف بمنطقة الشرق الأوسط مما وفر للأمريكان نماذج ناجحة (models) على التعاون الأمريكي مع الحركات الإسلامية وحتى يسهل تسويق الاستراتيجية الأمريكية في السيطرة على المنطقة.


وإن رؤية هذا الفريق الناقدة للأداء الجهادي يمكن استعراضها فيما يلي من نقاط:




1- لا اعتراض عند نسبة لا بأس بها من فريق العمل السياسي على وضع الرؤية الجهادية موضع التطبيق في المواقع التي تحققت فيها مستلزمات الجهاد كالساحة الفلسطينية والعراقية والأفغانية وغيرها والتي يوجه السلاح فيها للعدو الكافر المحارب ولكن الخلاف هو في تطبيق هذه الرؤية في ساحات الدول الإسلامية والتي نتج عنها مواجهات غير متكافئة فضلا عن التعرض لدماء المسلمين.


2- يقول فريق السياسة: لا تتيح الرؤية الجهادية الاجتهادية والتي تبلورت فيما اصطلح عليه بالسلفية الجهادية في عالم اليوم أي فرصة للآخرين ومن غير الملتزمين بالخط الجهادي مجالا للمشاركة في إصلاح أوضاع المسلمين وإدارة شؤونهم فإما أن يلتحق الناس بالخط الجهادي المباشر وإلا فعملهم - حسب ذلك الاجتهاد- لا قيمة له وفي هذا تضييق لواسع.
3- ويقول فريق السياسة: لقد اضطر السائرون على المنهج الجهادي المعاصر إلى اضيق السبل فهم ملاحقون في كل مكان ومحاربون على كل الأصعدة مما ضيق من فرص الدعوة والإصلاح وأوقع بقية التجمعات والحركات الإسلامية في عداوة وحساسية مع دول العالم خاصة المهيمنة منها على العالم كالولايات المتحدة الأمريكية وكذلك مع النظم السياسية التي تحكم العالم الإسلامي ومنع وقلص من فرص الإصلاح السياسي والتحرك على المسار الديموقراطي.


4- ويقول فريق السياسة: لقد قام السائرون على المنهج الجهادي المعاصر بعولمة أدائهم الجهادي مما شحن الأرض كلها بتوترات في مختلف بقاع الدنيا وأوقع المسلمين في مواجهة لا قبل لهم بها كما أدت عملية العولمة هذه إلى تحييد قدرة أهل البلاد من المسلمين في التعامل مع قضاياهم المباشرة كما هو حاصل في العراق الآن بتدخل جماعة القاعدة وتحويل العراق إلى ساحة مفتوحة للمواجهة العالمية وبالتالي فقد خرج العراق من كونه أزمة عراقية بحتة وأفقد أهله فرصة التعاطي وفق حدودها، إضافة إلى إعلانهم لدولة إسلامية من جانب واحد وهو ما أثار تحفظ شرائح واسعة من المسلمين العراقيين، والنموذج الثاني هو النموذج الباكستاني حيث قامت طالبان أفغانستان بإعادة تصدير نفسها إلى باكستان مما جعل الساحة السياسية الباكستانية في احتقان دائم وأثر على الاستقرار السياسي فيها.


5- ويقول فريق السياسة: لقد تعدى بعض الجهاديين حدودهم عندما استحلوا دماء المخالفين من المسلمين في العراق سواء ممن التحق بالشرطة أو من قبل بالتعاون مع الأمريكان والحكومة العراقية من مشايخ القبائل وابنائها ففتحوا بهذا الاستحلال للدماء بابا خطيرا في المسيرة الإسلامية المعاصرة.


6- ويقول فريق السياسة: في الوقت الذي يسعى العالم كله نحو التنمية الاقتصادية وإيجاد الحلول للشعوب فإن الأداء الجهادي يؤدي إلى تخريب البيئات المستقرة والقادرة على بناء النظم التنموية فكيف يمكن للمسلمين أن يمارسوا حياتهم في ظل هذا التوتر.


7- ويقول البعض من فريق السياسة: لقد اضطر المجاهدون المعاصرون ونتيجة لضيق الساحات التي يقفون عليها إلى تحالفات تحفها المخاطر من كل الجوانب كالتحالف القائم بين المجاهدين في فلسطين وإيران مما جعلهم أسرى للدعم الإيراني، وأسرى للتغيرات في معطيات الصراع الدولي بين إيران وأمريكا، ثم لماذا وفي سبيل تنفيذ الرؤى الجهادية يسلك المجاهدون كل السبل المتاحة للتحالف مثلما فعلت حماس بسعيها نحو روسيا ونحو أوروبا كما أظهرت جماعة القاعدة شيئا من لين الجانب أو السكوت تجاه إيران في مرحلة من المراحل بل إن الشيخ الظواهري قد ترك الباب مواربا لفترة من الزمن لتحالف شيعي سني في مواجهة أمريكا، ولما أتي الدور على الفريق السياسي واضطر لتوسيع دوائر تحالفاته يقابل ذلك بالرفض والتعيير بحجة الولاء والبراء؟


8- ويقول فريق السياسة: وإن من أهم المآخذ على المسيرة الجهادية المعاصرة هو التصادم مع الأنظمة السياسية في العالم العربي والإسلامي وما صاحب ذلك من تزعزع وعدم استقرار واستحلال لدماء المسلمين المنتمين للجيوش والقوات الأمنية.


9- ويقول فريق السياسة: يلغي الجهاديون المعاصرون عدا حماس في فلسطين أية فرصة للحوار والتواصل مع أمم الغرب ويعتبرونه خارج الإطار الشرعي في ظل المواجهة التي يسيرون عليها خاصة بعد أن اتخذ الجهاديون ساحات الغرب مواقع للمواجهة والحرب كما حصل في 11 سبتمبر في أمريكا وكما حصل في اسبانيا وغيرها، وهذه السياسة تحد من فرصة الدعوة والحوار والتفاهم الدولي وهي ساحة ينبغي أن لا يغيب عنها المسلمون.




وأما رؤية الفريق الجهادي ونقده لاطروحات وممارسة الفريق السياسي فيمكن استعراضها في المسائل التالية مع العلم بأن الفريق الجهادي ليس كله كتلة واحدة فهناك بعض الفروق الملموسة ما بين أداء المجاهدين في فلسطين وأداء بقية الفريق الجهادي المتمثل في جماعة القاعدة واطروحات المجموعات التي اصطلح عليها بالسلفية الجهادية مع التقاء الجميع في ساحة هموم ومعاناة واحدة ومتشابهة وعدو مشترك واحد هو الإمبراطور الأمريكي وحلفاؤه وأما المسائل فهي:




1- يقول بعض من فريق الجهاد: لقد ضيع فريق الأداء السياسي وفرط في مسألة الولاء والبراء واعتماد الموازين الشرعيةفي رؤية الأمور ولم يعد يضع خطوطا واضحة ومحددة من توجيه بوصلة العداء تجاه أمم الكفر وخاصة من يناصب الأمة المسلمة العداء والحرب وهم الأمريكان على وجه الخصوص، وبتمييع هذه الركن من مسائل العقيدة اختلطت الأمور على الأمة المسلمة مما صعب عملية الاصطفاف العقائدي وحشد الطاقات، وإن دخول الحزب الإسلامي في العراق في العملية السلمية المزورة ما جاء إلا نتيجة لهذا الخلل البين في مسألة الولاء والبراء ونتيجة لنظرة قاصرة في تحديد المصلحة الظنية أمام المفاسد الهائلة واليقينية المتحققة في ساحة العراق.




2- ويقول فريق الجهاد: ونتيجة للمسألة الأولى السابقة فقد أوغل فريق الأداء السياسي في طريق تقدير المصلحة المرجوحة في علاقته بالأنظمة السياسية والعملية الديموقراطية حتى أصبحت الأحزاب السياسية الإسلامية في العالم العربي والإسلامي مجرد ورقة تلعب بها الحكومات وتتكيءعليها كشرعية دينية وسياسية وتدغدغ بها عواطف المسلمين بينما لم تعط المشاركة السياسية أثرا حقيقيا غير الدوران في فلك أنظمة الكفر العالمي كما هو واضح ومشاهد لدى حزب العدالة والتنمية التركي والذي أصبح يقود تركيا في لعبة الحرب الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وفق رؤية العلمانيين في الداخل ورؤية الأمريكان في الخارج دون أن يكون لديه أية رؤية إسلامية استراتيجية تحدد دور تركيا المسلمة ولا يغير من الأمر الدعاية الإعلامية في موضوع الحجاب والمناكفة الشكلية المستمرة بين حزب العدالة والعلمانيين الأتراك فالعامل المتحكم في الموقف هو مدى رضا الأمريكان والأوربيين عن هذا الحزب.


3- ويقول فريق الجهاد: وهل هناك افق في عملية المشاركة السياسية حتى في حال الوصول للحكم عن طريق الديموقراطية إلا الأفق العالمي الذي تحكمه امريكا وحينئذ فإما الصدام مع أمريكا وهو ما لا يقوى عليه الفريق السياسي أو السير في ركاب امريكا وخدمة أهدافها وتضييع مصالح الأمة لأنه لا يمكن الجمع بين مصلحة النصارى والمسلمين في سلة واحدة.


4- ويقول فريق الجهاد: وهل بقي لدى الأنظمة السياسية ما تبشر به أو تعطيه للمسلمين أو تحققه من مصلحة لهم وبالتالي فهل من مصلحة المسلمين أن تطول أعمار هذه الأنظمة بمشاركتها ورفع لواء شرعيتها عبر المشاركة أو أن تسقط؟ خاصة في ظل ثبوت تعلق هذه الأنظمة بأعداء المسلمين وقيامهم على اعتراف الكفار بهم ودعمهم وقد بان ذلك واضحا عندما وافقت الأنظمة على الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م بل وشاركت فيه بشكل أو بآخر.


5- ويقول فريق الجهاد: ناهيك عن تعقيدات اللعبة الديموقراطية وسيطرة المؤسسات العسكرية والأمنية على الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي وبقاء مسألة المشاركة السياسية رهينة بهوامش ضيقة يلعب بها الجنرالات كما هو مشاهد في باكستان والجزائر وغيرها.


6- ويقول بعض من فريق الجهاد: لقد عطلت المشاركة السياسية التحاق أبناء المسلمين بالمسيرة الجهادية المعاصرة وذلك بالتخليط والوهم الذي أدخلته إلى عقول المسلمين وإعطاء الوعود بمستقبل أفضل من خلال تلك المشاركة بينما لم يحصد المسلمون إلا الفقر والإخراج من بلادهم.


7- ويقول بعض من فريق الجهاد: إن المشاركة البرلمانية إنما هي مشاركة في تأصيل الشركيات وعدم تطبيق الشرع الحنيف وإقرار من المشاركين بتقديم الأسس الديموقراطية والوطنية على الأسس الإسلامية وهذا مما يعقد واقع المسلمين ولا يصلحه كما يدعي المشاركون.


8- ويقول فريق الجهاد: بالرغم من تشدق جماعات الإسلام السياسي بحق المسلمين في المقاومة المسلحة ومشروعيتها لكن هذا الموقف لا يتعدى الحديث السياسي والنصرة المعنوية في الوقت الذي تبدي فيه أغلب تلك الجماعات استعدادها للتعامل السياسي والمصلحي مع الأمريكان كأمر واقع.


9- ويقول فريق الجهاد : وهل تركت الأنظمة السياسية من هامش للتفاهم معها أو الالتقاء على مصلحة ما للمسلمين حتى يمكن تجنب الاصطدام بها؟ أو لم توظف النظم السياسية كل امكاناتها لمسح التأثر الإسلامي الدعوي في ساحات المسلمين وفق رؤية جورج بوش؟ وعلى الجانب الآخر هل يمكن لحاملي اللواء الجهادي يقوموا بواجبهم الجهادي ضد الكفار المحاربين دون أن يصطدموا ولو جزئيا بالنظم السياسية المرتبطة بالكفار؟ أولم تذهب حماس كل الشوط في سبيل إنجاز أدنى المستويات من التفاهم مع نظام السلطة (الأوسلوية) فماذا كانت النتيجة؟ أولا يدل نموذج حماس والسلطة الفلسطينية على استحالة التجنب الكامل للاصطدام بالنظم السياسية في العالم الإسلامي؟




ثالثا: مسلمات بين يدي التنازع




إن من أهم مداخل فهم واستيعاب خارطة الفتن المعاصرة التي تلف الساحة الإسلامية أن نبدأ باستعراض المسلمات التي يمكن الالتقاء عليها في النظر إلى مكونات الفتن، ومن المسلمات التي يمكن استعراضها في هذا الشأن ما يلي:




المسلمة الأولى: معلوم بأننا لا نستطيع أن نعزل اختلاف التوجهات الإسلامية في معالجة أزمات الأمة الكبرى عن الصورة الكلية التي عليها الأمة وما تعانيه من مدلهمات ولا يمكن رؤية ذلك الخلاف وتمحيصه وكشف غمته دون ربطه بالواقع فقد تأسسس عليه وارتبط به، فإذا نظرنا للخلاف في ظل الواقع أمكن التعامل مع ذلك الخلاف من حيث المبدأ، فثمة أمة تربوا على المليار مسلم لا راعي لها وقد تداعت عليها الأمم من كل حدب وصوب، وثمة مصالح عليا مضيعة لهذه الأمة ومنها مقدسات مغتصبة، وثمة أنظمة سياسية تحكمها ولا تستطيع تحقيق اي قدر من قائمة المصالح العليا لهذه الأمة وثمة تجارب إسلامية نتجت عن رؤى وتجارب استغرقت ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن وهي تجارب قد راكمت خبرات معينة وباتجاهات محددة لا يمكن تجاهلها.




المسلمة الثانية: ومعلوم بأن غياب المرجعية الإسلامية عن الحكم والسياسة في واقع المسلمين يمثل قمة جبل الجليد في ساحة المسلمين من الضعف والوهن، وبفقد هذه المسطرة أصبحت المقاييس ضائعة ومبعثرة ولا ضابط لها وأصبح الواقع الإسلامي مرتبط ببقية الأمم التي تملك مرجعية عقائدية ترسم مسيرتها وتحدد موقعها بين الأمم، ومن أهم القضايا والمسائل التي انعكس عليها غياب الإمامة هو عمق الخلافات الإسلامية بين الاجتهادات المعاصرة إذ لا مرجع ولا ميزان ينهي الخلاف ويلزم الفرقاء برؤية واجتهاد تجمع عليه الأمة وتدعمه، ومن أخطر نتائج فقد المرجعية السياسية في واقع المسلمين تحقق الاستضعاف الشامل في واقع المسلمين وتطرق هذا الاستضعاف إلى كل الشؤون فلم يتمكن المسلمون بناء على هذا الاستضعاف أن يجدوا لهم مكانا في قائمة الأمم المتنافسة على وجه البسيطة لا في الميدان الاقتصادي ولا العلمي فضلا عن الميدان السياسي والعسكري، ومعلوم أن هذا الاستضعاف ليس وليد الساعة بل يمتد لما يزيد عل القرن إذا أخذنا بعين الاعتبار تاريخ سقوط أخر خلافة إسلامية وهي الخلافة العثمانية عام 1924م مع أن الوهن كان قد سرى في الأمة قبل ذلك بكثير.




المسلمة الثالثة: ومعلوم أنه يترتب على الاستضعاف من الناحية الشرعية أحكام ذات طبيعتين مختلفتين فأحكام تعطي للمستضعفين أعذارا تراعي أوضاعهم والضرورات التي يتلبسون بها نتيجة للاستضعاف وأحكام أخرى تدعو المستضعفين إلى البحث عن المخارج وضرورة العمل على تغيير الاستضعاف والتلبس بالحالات التي تلي الاستضعاف من المدافعة ومن ثم التمكين كما ورد في قول الله عز وجل:(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا)النساء:97.




فإن الاتجاه العام لأحكام الاستضعاف إنما يؤسس لمراحل من التغيير والمجاهدة ولا يؤسس للرضا بالواقع والتعامل معه ولا يعطي للمسلمين العذر في ترك الأرض ساحة مفتوحة للكفار يتصرفون فيها كيف شاءوا.




المسلمة الرابعة: ومعلوم أن الأمم على وجه البسيطة تحركها مبادؤها وعقائدها للبحث عن مكان آمن ومسيطر على الأرض ومن ثم فهي في تدافع دائب وصراع مستمر قد يتراجع شيئا ما لكنه لا يتوقف ولا يمكن للمسلمين أن يخرجوا عن هذا القانون والسنة الإلهية مهما حاولت بقية الأمم الكافرة أن تقنع المسلمين بعكس هذه الحقيقة فرب العزة يقول: (فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)البقرة:251، بل إن نشوب الصراع بين الأمم الكافرة هو في إحدى وجوهه بشرى للتغيير على وجه الأرض يقتضي فرحا من المسلمين لأنه يضعف المتصارعين ويمهد لدخول حملة الحق في نظام وآلية ذلك الصراع كما بشر المولى عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في قوله: (ألم،غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعدهم غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون، بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) الروم:1-5.




المسلمة الخامسة: ومعلوم بأنه لا يمكن عزل الخلافات الإسلامية الداخلية عن أخطر العوامل الخارجية المؤثرة مباشرة في هذا الخلاف والتنازع وهو عامل الدور النصراني على وجه الخصوص ولعلي أرجع بالقارئ الكريم إلى مثال ضارب في القدم قبل أن أعرض للأمثلة المعاصرة القريبة وذلك المثال حدث في السيرة المطهرة فإنه لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقاطعة الثلاثة الذين خلفوا من الصحابة بسبب تخلفهم عن جيش العسرة ومنهم كعب بن مالك رضي الله عنه حدث أمر غريب نترك كعب رضي الله عنه يرويه لنا قال كعب: (فبينا أنا أمشي بسوق ‏ ‏المدينة ‏ ‏إذا نبطي من أنباط ‏ ‏أهل الشأم ‏ ‏ممن قدم بالطعام يبيعه ‏ ‏بالمدينة ‏ ‏يقول من يدل على ‏ ‏كعب بن مالك ‏ ‏فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ‏ ‏ملك ‏ ‏غسان ‏ ‏فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك فقلت لما قرأتها وهذا أيضا من البلاء ‏ ‏فتيممت ‏ ‏بها ‏ ‏التنور ‏ ‏فسجرته بها) رواه البخاري .




أما الأمثلة الحديثة والمتعلقة بالتدخل النصراني في التأثير على الخلاف الإسلامي الداخلي والمتمثلة في المقام الأول بالدور الأمريكي في العالم الإسلامي وبشقه الاستخباراتي بوجه الدقة والتحديد وباصطفاف الأجهزة الأمنية في العالم الإسلامي كدور رديف له فسأورد مثالين عليه، أما الأول: فالمناقلة التي حدثت للدور المصري في إدارة القضية الفلسطينية من وزارة الخارجية المسؤولة الطبيعية عن هذا الملف إلى جهاز الأمن المصري – مع أنه لا أمل وارد لا في الخارجية ولا في الأمن- وما كان ذلك التحول إلا لأن المسؤول الأمني أكثر فهما واستيعابا للمراد الإسرائيلي والأمريكي ومتطلباتهما من الساسة العرب فهو دور أمني في المقام الأول وليس دورا سياسيا، وأما المثال الثاني على الكيد والمكر النصراني فتمثل في التحول الاستراتيجي الذي أدخلته أمريكا في إدارتها للملف العراقي بعد الفشل الذريع في مواجهة المقاومة المباركة بكل أطيافها وبعد حصولها على نصيحة العجوز البريطانية ومنذ ذلك الوقت رأينا كيف تحولت البندقية إلى الصدور المجاهدة من بني الجلدة وكيف تسنم زعيم الحزب الإسلامي العراقي كرسي نائب الرئيس في جمهورية العراق من يد جورج بوش مباشرة، ومتى كان يحلم الإسلاميون المحاربون أمريكيا على كل الصعد أن يستلموا نيابة رئاسة دولة كالعراق؟ لكنه الكيد ومكر الليل والنهار.




المسلمة السادسة: ومعلوم بأن الإسلاميين المعاصرين قد قاموا بتبادل الأدوار فيما بينهم – شعروا بذلك أم لم يشعروا- فهم لم يقفوا في اجتهادهم عند مساحة محددة من الرؤية الإسلامية والممارسة العملية بل إنهم ومنذ نشوء الرؤية الإسلامية المعاصرة والتي تبلورت في الأساس على يد مؤسس الإخوان المسلمين في مصر إبان سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية فإنهم ومنذ ذلك الوقت تراوحت تجاربهم ما بين الأداء السياسي والأداء الجهادي، ففي الوقت الذي كان فيه الإمام حسن البنا يطرح الرؤية السياسية للإصلاح في مصر فإنه سعى لإحداث ثورة إسلامية مسلحة في اليمن عام 1947م بقيادة الفضيل الورتلاني الجزائري لكنها لم تلق النجاح، وعندما أعلنت القوى الدولية دعمها لقيام دولة اليهود في فلسطين عام 1948م جند الإمام البنا أتباعه للدور الجهادي الذي أثر على المسيرة الإسلامية المعاصرة ككل، وقد دعم الإخوان المسلمون والسلفيون المعاصرون الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان طوال ثمانينيات القرن العشرين وكذا قام الإخوان المسلمون في سوريا وبدعم عالمي من الإخوان بثورة مسلحة ضد نظام البعث النصيري في سوريا والتي وئدت في مهدها، ومن ناحية أخرى وبرغم اعتراض الاتجاه السلفي على الممارسة الديموقراطية فقد تزعم بعض من قيادات الاتجاه السلفي في الجزائر محاولة التغيير عبر الديموقراطية في بداية تسعينيات القرن العشرين، وبرغم محاولات الإصلاح السياسية لم تخف التجمعات الإسلامية الأساسيسة دعمها للثورات المسلحة الإسلامية في مختلف بقاع العالم كالجهاد الكشميري ضد الهندوس والجهاد الفلبيني ضد نصارى الفلبين والجهاد الشيشاني ضد الروس، لكن المفارقة الحقيقية والتباين الحاد ما بين الممارسة الجهادية والممارسة الإسلامية إنما بدأت بوادرها عندما أظهر الأمريكان والغرب عموما انزعاجهم من بقايا وآثار الجهاد الأفغاني في بداية تسعينيات القرن العشرين وأسسوا بذلك لحربهم الكونية ضد ما يسمى بالإرهاب (إقرأ الجهاد) خاصة عندما بدأت آثار ذلك الجهاد تمتد إلى البوسنة فالشيشان وكشمير وغيرها، عندها هبت رياح جديدة في علاقة الساسة بالمجاهدين في الصف الإسلامي المعاصر، وإن أهم ما يستفاد منه في عرض هذه المسلّمة أن لباب الإشكاليات الإسلامية اليوم لا يتعلق بفرقاء العمل الإسلامي المعاصر ولا بالمسميات والمصطلحات المستتخدمة كمصطلح الجهاد أو السياسة أو الإسلام السياسي أو جماعة الإخوان المسلمين أو السلفية الجهادية أو جماعة القاعدة وغيرها من المصطلحات بقدر ما يتعلق بالمرجعية العقائدية للمسلمين والتي تفرض عليهم مسارات محددة في تصوراتهم وأدائهم العملي فماذا هم فاعلون؟




رابعا: مقاربة فك الاشتباك ما بين السياسي والجهادي.




إن التعقيد الذي يلف الساحات الإسلامية ويلقي بظلاله على الأمة المسلمة ككل والذي يعبر عنه في المصطلح الإسلامي بالفتن ليستوجب مقاربة شرعية ودراسة متأنية تسعى إلى تحليل وتفكيك العقد إلى مكوناتها الأولية كما فعل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عندما كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طبيعة الفتن ومكوناتها في الحديث الصحيح بقوله: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وصلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني...) قطعة من حديث رواه البخاري.




ولمحاولة للوصول إلى هذه المقاربة والتصور الشرعي والفكري ـ المستمد بدوره من الشرعي- فإني سوف أقوم باستعراض بعضا من الأصول التي من المفترض أن تحكم كلا من الرؤية السياسية والرؤية الجهادية معتمدا بالدرجة الأولى على فرضية ومنطلق أساسي يقول بضرورة التغيير والإصلاح والعمل على التمكين لدين الإسلام كمسار عام يحكم كلا الرؤيتين السياسية والجهادية في العالم الإسلامي وفق (مشروع إسلامي) غير مجمع عليه حتى الآن في دفتين من التصورات ولا في تحديد أهدافه الدقيقة ولا في تحديد زمانه ولا مكانه بين الاتجاهين السياسي والجهادي، ولكني أزعم أن ظروف النشأة والتأسيس وتداخل المراحل وتكاثف التجارب وعظم التضحيات في بوتقة الأداء الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي تسمح بل تمكننا من تلمس هذا المشروع والاستناد إلى أرضية صلبة مشتركة يقف عليها العاملون للإسلام وإن تنوعت مذاهبهم الاجتهادية ما بين سياسي وجهادي وتربوي ومهما ضغطت عليهم مسارات التدافع بين مشاريع البشر الآخرين ممن قال فيهم رب العزة والجلال: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون)الصف:8.




وإن هذه الاصول التي سوف أستند عليها لمقاربة وفك الاشتباك وتحرير موضع الخلاف ما بين السياسي والجهادي أزعم أنها تشكل أرضية متكاملة تربط ما بين السياسي والجهادي بمجملها وتقوم بوصل ما انقطع من التصورات وتفتح ما انغلق من الأبواب، كما أني أزعم أن هذه الأصول ليس بالامكان تجاوزها في رؤية أزمات الأمة وإدراتها والتعامل معها فكيف بأدق الأزمات وأخطرها وهي علاقة السياسي بالجهادي والتي أوصلت إخوان الأمس عقيدة ودعوة إلى أعداء اليوم سياسة وتصورا؟ وهذه الأصول يمكن استعراضها فيما يلي:






الأصل الأول: العمل على إعادة تمكين الإسلام ودولته




فإن العمل على التمكين لدين الإسلام في نظامه السياسي أولا ثم في بقية نظمه الشرعية والاقتصادية والأخلاقية وغيرها من النظم يعتبر واجبا شرعيا رئيسا وهدفا استراتيجيا لا يمكن الغفلة عنه ولا إلقائه وراء الظهور وذلك حتى يصل المسلمون إلى تطبيق دينهم كما أمرهم ربهم عزوجل ووجههم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة في ظل استبدال النظام السياسي الإسلامي بأنظمة علمانية وأنظمة ملكية تدعي الإسلامية لكنها تنتهي إلى نفس نهايات الأنظمة العلمانية من حيث خضوعها للعدو الكافر وفتح ساحات المسلمين يعبث بها العابثون وفي التفريط بمقدسات المسلمين ومصالحهم العليا، وإذا لم يتقدم المسلمون نحو هذا الهدف فإنهم يعرضون أنفسهم لغضب ربهم ويديمون بذلك الذلة التي لحقتهم في الدنيا واستمرارها تماما كما حدث لبني إسرائيل عندما فرطوا في مهمة التمكين وقبلوا بالذلة والهوان،كما يعرض المسلمون أنفسهم لعذاب الآخرة بهذا التفريط وهو مما أجمع عليه علماء المسلمين في حال خلو الزمان والمكان بمن يقوم بدور الإمامة والقيادة للأمة المسلمة، خاصة بعد أن مرت على الأنظمة السياسية الحالية في بلاد المسلمين ما يقرب من القرن دون أن تتمكن من تحصيل حق واحد مما ضاع من حقوق المسلمين ودون أن تتمكن من بسط نظام الإسلام الاجتماعي والأخلاقي فضلا عن بسط النظام السياسي والاقتصادي والعسكري، ومما يلحق بهذا الأصل مفهوم استراتيجي يلزم المسلمين في سعيهم نحو إعادة الإسلام للحياة كنظام متكامل أن يعملوا لإعادة أفضل النماذج والنظم السياسية التي وجههم إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نموذج الخلافة الراشدة خاصة بعد أن انهدم النظام السياسي في البلاد الإسلامية وأقصد بذلك الخلافة العثمانية، مع الإقرار بوضع المسلمين الاستضعافي وتمكن العدو من رقابهم ومع الاستثناءات الشرعية للمستضعفين والتدرج في العمل والمغالبة لكن الهدف النهائي الاستراتيجي لا بد وأن يكون ماثلا للعيان.




الأصل الثاني: الإيمان بالكتاب كله وشمولية الأداء الإسلامي




فلا يمكن العمل بجانب واحد من الإسلام العظيم ولا الاكتفاء بتخصصات محدودة فيه بل لا بد من الدفع نحو تطبيقه بكل جوانبه وهذا التطبيق تتحكم فيه مسائل كثيرة من أهمها عامل الانهيار السياسي في واقع المسلمين وما تبعه من انهيارات وبعبارة أخرى الوضع الاستضعافي الذي عليه المسلمون فهم قد تدرجوا في محاولاتهم التطبيقية المعاصرة للإسلام العظيم فقاموا بتربية الجيل وتعليمه وتزكيته، وبذلوا جهودا في دعوة الكفار إلى هذا الدين العظيم وتعريف العالم به، كما أنهم قاموا ببناء المؤسسات والتجمعات والتنظيمات وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ثم تعرضوا للسياسة والحديث في المصالح العامة للمسلمين ثم تعرضوا للنظر في المصالح العليا للمسلمين فلما وجدوا فرصة للتطبيق الجهادي لم يتوانوا عنه، وعليه فقد انقسم الأداء الإسلامي إلى ساحات ثلاث لا تخطؤها العين أما الساحة الأولى فهي الساحة التعليمية والتربوية والدعوية وأما الساحة الثانية فهي الساحة السياسية وأما الساحة الثالثة فهي الساحة الجهادية، وقد تنضج بعض مواقع المسلمين فيتكامل فيها الأداء بأشكاله الثلاث وقد يغلب نوع من الأداء على أداء آخر بحسب متطلبات الساحة وظروفها، فيمكننا أن نرى بعض الساحات بالكاد يستطيع الناس أن يقوموا فيها بدورهم التربوي والتعليمي والدعوي مثل أغلب الساحات الخليجية والساحة الأوروبية، وساحات أخرى يرتفع فيها السقف فيتعامل الناس بالسياسة والمدافعة المدنية كما هو الحال في مصر وباكستان واليمن وغيرها كثير، وساحات أخرى وصل الناس فيها إلى ذروة سنام الإسلام بعد أن تكاملت متطلبات الجهاد في تلك الساحات كالساحة الفلسطينية والعراقية والأفغانية والصومالية والشيشانية والكشميرية وغيرها. ويلحق هذا الأصل أن نذكر بأن للزمن دوره في تكاثف الخيرية في الأمة المسلمة ووصول الدفع إلى مرحلة التغيير الكاملة وبالتالي فلا بد من التدرج للوصول إلى الأهداف الكبرى وأنه لا يمكن للمسلمين أن يسلكوا سبيلا واحدا لتغيير الحالة الاستضعافية التي هم عليها بل هو التنوع والمناقلة بين الدعوة والسياسة والجهاد.




الاصل الثالث: الاعتصام بحبل الله تعالى والوحدة وجمع الكلمة


لا يمكن لفئة واحدة أن تنهض بالمهام الكبرى الواقعة على عاتق الأمة المسلمة وحدها وإن التظافر والتعاون والالتقاء للقيام بتلك المهام أصل في الدين لا يمكن الاعتذار عنه بأي سبب من الاختلاف في الاجتهادات أو الانتماءات بكل ألوانها وهذا الأصل يقضي بدوره على المسلمين والعاملين للإسلام من الجماعات والأفراد أن تتسع صدورهم وأفقهم الفكري والتنظيمي لكي يقبلوا بكل أنواع التجمعات التطوعية التي تهدف إلى خدمة الإسلام ما دامت تصب في المصلحة العليا للمسلمين، وبدون توفر هذا الأصل لا ينفع جهاد ولا سياسة في إصلاح واقع المسلمين فضلا عن بقية الأعمال بدليل قول الله عز وجل: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)الأنفال46، وهذا الواجب بدوره يحتم على الفرقاء في الساحة الإسلامية أن يعملوا عقولهم للبحث في ما آتاهم الله العليم من آيات بينات وفيما تركه لهم رسولهم صلى الله عليه وسلم لفك اشتباكهم وتحرير مواقع خلافهم لحل إشكالياتهم وفي حال لم يعملوا بذلك فإنهم يعرضون أنفسهم للفشل وللقطيعة المفضية للفساد في الأرض كما أخبرنا بذلك رب العزة في قوله: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)محمد:22-23، فقد أورد الطبري حول تفسير هذه الآية نقلا عن قتادة قوله: فهل عسيتم إن توليتم ... الآية، يقول: فهل عسيتم كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن.(انتهى) وإن عدم السعي للإصلاح والتوفيق والتقارب والتكامل بين العاملين للإسلام لهو نوع من الإفساد في الأرض، ومما يتعلق بهذا الأصل تخليص وتمحيص موازين العاملين للإسلام من تأثيرات أعداء المسلمين عند قياسهم ووزنهم للمصالح العليا للأمة وإلا وقع الدعاة تحت تأثير أولئك الأعداء وشاركونا - شعرنا أم لم نشعر- في رسم الحالة الإسلامية وحددوا لنا ما يضر وما يصلح وأسهموا في توزيعنا على مسطرتهم ما بين وسطي معتدل وإرهابي متطرف!




الأصل الرابع: الخلاف في الاجتهاد والرؤية وارد دائما حتى أمام الكليات


فلم يقف خلاف المسلمين في تاريخهم التطبيقي أمام النصوص وكيفية تطبيقها على القرن الذي نحن فيه بل إن الخلاف وصل في الفهم وأولويات التطبيق ووزن المصالح حدث في قرن الصحابة رضي الله عنهم وأمام الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ للنصوص عن رب العزة مما يدل على سعة الساحة الإسلامية –أقصد في ظل أهل السنة والجماعة - واستيعابها لهذا النوع من الخلاف السائغ دون أن يستمر الخلاف إلى ما لا نهاية فعند تبين الحق وظهور الوجه الأولى بالاتباع فلا بد للمسلمين أن ينصاعوا لما ظهر لهم من الحق، فقد حدث ذلك بين يدي غزوة بدر الكبرى في قوله عز وجل: ( كما أخرجك ربك من بيبتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون)الأنفال:5-6، وحدث يوم الحديبية عندما رأى الصحابة رضي الله عنهم أن الصلح نوع من إعطاء الدنية في الدين وحدث يوم اختلف الصحابة حول قتال المرتدين من العرب، فكيف سيكون الخلاف وحال المسلمين بهذا التعقيد فهم مستضعفون لا ولي لهم ولا إمام متبع وقد تكالبت الأمم عليهم كما أخبر بذلك سول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الامام أحمد في مسنده وابو داود في سننه وابو نعيم في حليته من حديث ثوبان (رضي الله عنه) انه قال: قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يوشك الأمم أن ‏ ‏تداعى ‏ ‏عليكم كما ‏ ‏تداعى ‏ ‏الأكلة ‏ ‏إلى ‏ ‏قصعتها ‏ ‏فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم ‏ ‏ غثاء ‏ ‏ كغثاء ‏ ‏السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت.(انتهى) ويشرح صاحب عون المعبود طبيعة تداعي الأكلة فيقول: يتداعى بعضهم بعضا إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير مانع فيأكلونها صفوا من غير تعب.(انتهى)




الأصل الخامس: اختلاف الاجتهاد باختلاف الساحات والعوامل المكونة لها


فقد تبين منذ نشوء الفقه الإسلامي أثر الساحة ومكوناتها على الاجتهاد الناتج عن الوقوف على تلك الساحة والتعامل مع مكوناتها وبالتالي اختلاف طبيعة الأحكام التي تترتب في التعامل مع القضايا الكبرى للمسلمين بل وفي بلورة قائمة المصالح العليا وأولوياتها، وترتيبا على ذلك فلا يمكن بأي حال من الأحوال مناقلة الاجتهادات بين الساحات بوضعها الكلي بل لا بد من إعادة تأسيس الاجتهاد من جديد في كل مرة يحتاج المسلمون فيه إلى رأي وموقف من قضايا الساحات المستجدة، ودون أن نغفل وجود قواسم مشتركة في أوضاع المسلمين ونسبة من تماثل أحوال المسلمين نتيجة لحالة الاستضعاف المستشرية فيهم، وعليه فإن هذا الأصل يترتب عليه ما يلي: لا يمكننا أن نطالب الفريق الجهادي كمثال وهو يقف على ساحات الجهاد الملتهبة ومطبقا للموازين الشرعية المرتبطة بهذه الساحة أن يضع الندى في موضع السيف وأن يستبدل الحوار والتواصل الحضاري بالضرب بيد من حديد على كاهل العدو الكافر فكيف يسوغ ذلك وهو يطبق ما يلي من قواعد: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم)الأنفال:57 وقاعدة:(فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)الأنفال:11 وفاعدة:(قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليكم ويشف صدور قوم مؤمنين)التوبة:14 وغيرها من القواعد؟




كما يترتب على هذا الأصل أنه لا يمكننا في ذات السياق أن نطالب فريق الأداء السياسي أن يخلط السياسة بالجهاد في ساحته الباردة أو النصف ساخنة أو أن يضرب بيد من حديد على رؤوس حكام المسلمين بينما هو في الأصل ووفق اجتهاده يحاول أن يرفع شيئا من العنت عن كاهل المسلمين من خلال أدائه السياسي ويحاول أن يفضح الدكتاتوريات والنظم الحاكمة في العالم الإسلامي ويسلط الأضواء على فسادها المستشري في كل الاتجاهات وأن يستخدم العقل والمنطق والمرونة السياسية وفق ما أتاحه الشرع من أحكام للمستضعفين تتيح لهم التدرج في التغيير والصبر على الشعوب المستضعفة حتى تقبل بفاتورة التغيير ومترتباته وذلك بما اصطلح عليه بالمدافعة المدنية دون أن يتنازل المسلمون عن ثوابتهم وأركان دينهم، بل ويتضح في ظل هذه الفروق في الاجتهاد حقيقة خطرة وهامة في الجانب المقابل وهي استحالة قبول وهضم النظم السياسية لفريق الطرح الجهادي وممارساته بسبب تحالف هذه النظم مع أعداء المسلمين وبسبب الحظر الموضوع على الفريق الجهادي نصرانيا وعليه فمطالبة الفريق السياسي للفريق الجهادي بأن يعترف الأخير بالنظم الحاكمة ويقبل بمرجعيتها هو نوع من العبث في ظل اصطفاف النظم الحاكمة مع النصارى وفي ظل الاجتهاد والتطبيق الجهادي المعاصر إلا أن يكون التواصل في ظل متطلبات سياسية ومرونة ميدانية فذلك أمر آخر كما تتواصل حماس هذه الأيام مع الأنظمة السياسية لإدارة شؤون السياسة والجهاد معا، ومن هنا فامكانية الفريق الجهادي في تجنب الاصطدام بالنظم الحاكمة تجنبا كاملا هو نوع من الحلم الكاذب، ولهذا السبب رأينا الصدمة الكبرى التي أصابت العقل الجمعي للمسلمين المسالمين عندما اصطدمت حماس بنظام السلطة الأوسلوية وكان لطف الله الكريم في ذلك الاصطدام واضحا إذ تمكن المجاهدون من إجراء عملية جراحية سريعة بأقل التكاليف، ولا يعني هذا التحليل فتح الباب للاصطدام الشامل بين فريق الأداء الجهادي وبين النظم السياسية فدون ذلك محاذير كثيرة من أهمها دماء المسلمين ومحدودية نضج ساحات المسلمين والخسائر المتوقعة في هذا الجانب وعدم قدرة المسلمين حتى الآن على إدارة الفوضى الشاملة الناجمة عنه كما رأينا في العراق إلى غير ذلك من المحاذير.




الأصل السادس: التمييز بين الثابت والمتغير أو الاستراتيجي والتكتيكي


وللوقوف على شرح دقيق لهذا الأصل وهو التمييز أو التفريق بين الثابت والمتغير فسوف أستعرض موقفين من مواقف الاختلاف في النظر والتقدير للأمور في ظل ثوابت الإسلام ومتغيراته عند الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، الموقف الأول حدث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والموقف الثاني على عهد خليفته أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والموقفان يوضحان بجلاء امكانية الاختلاف في وزن المصالح والمفاسد والنظر إلى تطبيق مبادئ الإسلام وسعة الساحة الإسلامية لاستيعاب الاختلاف ثم ظهور الحق وبيانه وائتلاف الجميع تحت رايته، وأصحاب الموقفين هما خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده أبابكر وعمر رضي الله عنهما أما الموقف الأول فهو ما حدث في صلح الحديبية ونظرة عمر رضي الله عنه وكثير من الصحابة رضي الله عنهم لذلك الصلح وإبداء عمر رضي الله عنه لرأيه الصريح أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الصلح هو نوع من إعطاء الدنية في الدين، وكيف تعامل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مع الموقف ورأفته بأصحابه رضي الله عنهم كما ورد في تاريخ الطبري: )فلما التأم الأمر، ولم يبقى إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله ! قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين ! قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين ! قال: بلى، قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا ! قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه؛ فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا اشهد أنه رسول الله. قال: ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألست برسول الله ! قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين ! قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين ! قال: بلى قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا ! فقال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني. قال: فكان عمر يقول: ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به؛ حتى رجوت أن يكون خيرا) انتهى النقل من تاريخ الطبري.




وأما الموقف الثاني فهو ما حصل إبان بدء عهد الخلافة الراشدة وارتداد قبائل العرب والموقف التاريخي الذي وقفه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوبكر الصديق بضرورة قتال المرتدين والتردد المبدئي الذي كان عليه عمر رضي الله عنه وكثير من قيادات الصحابة رضي الله عنهم حتى شرح الله صدورهم لما انشرح له صدر أبي بكر رضي الله عنه وذلك استنادا إلى ما أورده البخاري في صحيحه فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه وكفر من كفر من العرب فقال عمر رضي الله عنه كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر رضي الله عنه فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق)رواه البخاري.




فيتبين من هذين الموقفين عدة مسائل أولها أنه من الوارد أن يختلف قادة المسلمين وعلماؤهم في تقدير الموقف من القضايا الكبرى مع وجود النص بل إن الموقف الأول الذي وقفه الصحابة رضوان الله عليهم يوم الحديبية كان بحضرة رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم، أما المسألة الثانية والتي تتعلق بهذا البحث على وجه التعيين هي أنه بالمقارنة بين الموقفين يتبين أن علة الخلاف كانت بسبب تقدير وتحديد (الثابت) من مسائل الدين وتخليصه وتمييزه من (متغيره) وليسمح لي الأخوة القراء أن أستخدم في شرح الأمر مصطلحين معاصرين هما من الأعجمية ولكن مقتضيات الحال من هيمنة المصطلحات المعاصرة تقتضي هذا وهما مصطلح (الاستراتيجي) يقابلها مصطلح الثابت في العربية ومصطلح (التكتيكي) يقابلها مصطلح المتغير، فإن الخلط بين الأمرين في النظر إلى المسائل المستجدة والكبرى غالبا ما يؤدي إلى انقسام الناس واختلافهم البين على قضاياهم والتعامل معها، ولذا لما أدرك الصحابة رضوان الله عليهم أن مسألة أداء العمرة من عدمها هي مسألة تكتيكية متغيرة من حيث التقديم والتأخير وذلك حتى تنجز أعمال أخرى كبيرة وأن الصلح لم يضر بثوابت الإسلام بل إنه قوى من مرتكزات ذلك الوجود من خلال اعتراف قريش بهذا الوجود، كما أن الصلح لم يلغ المسيرة الجهادية ولم يضعها جانبا وإنما خدم المسيرة الجهادية وبالتالي خدم التمكين لدين الله في الأرض فعندما أدرك الصحابة ذلك ندموا على مخالفتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بل إن تسمية صلح الحديبية (فتحا) ما نزل من عند الله تعالى إلا بعد أن انصرف رسول الله صلى الله عليها وسلم منها كما ورد في عدة أحاديث صحيحة ومنها في صحيح مسلم عن أنس بن مالك حدثهم قال : (لما نزلت إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله إلى قوله فوزا عظيما مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحر الهدى بالحديبية فقال لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا)رواه مسلم.


وفي الموقف الآخر الذي كان على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه قبيل حروب الردة فإنه رضي الله عنه نظر إلى مسألة المس بأخطر ثوابت الإسلام و أركانه الخمسة من خلال منع الصدقة أو الزكاة، فاعتبر رضي الله عنه أن منع الزكاة إنما هو مقدمة ستفضي إلى هدم أركان الإسلام فما كان منه إلا أن اتخذ ذلك القرار الخطير وهو قتال المرتدين بينما كان كثير من الصحابة رضي الله عنهم ينظرون ويركزون على مسألة خطورة ومفسدة قتال قبائل العرب وما سوف يترتب على ذلك فلما تبدت لهم المسألة في بعدها الاستراتيجي انشرحت صدورهم لذلك القتال كما انشرح له صدر أبي بكر الصديق رضي الله عنه من قبل.




الأصل السابع: مرونة الشريعة الإسلامية في التعامل مع الفتن والملاحم والاختلاط




فقد تبين وفي ظل انكسار وتغير النظام الدولي في العقد الأخير من القرن العشرين الميلادي واستمرار وتكرس هذا التغيير مع بداية القرن الواحد والعشرين تبين بأن ساحات المسلمين هي الساحات الأكثر تأثرا بهذا الانكسار والتغيير مع العلم بأن ساحات المسلمين قد استخدمت كساحات منهزمة ومستسلمة قبل هذا التغيير في النظام الدولي للسيطرة العالمية كما رأينا في منتصف القرن العشرين من هيمنة الاتحاد السوفييتي على آسيا الوسطى والقوقاز وسيطرة النصارى على ثلثي العالم الإسلامي في آسيا وإفريقيا والباقي تكفل بهم الصينيون وغيرهم، ولكن تجدد الصراع الدولي أوقع المسلمين في حالة مستجدة وغير معهودة وهي حالة من الاختلاط الشديد والاستقطاب الحاد فنجد أنه بينما فريق من المسلمين يقاتلون كتلة خطيرة من ألد أعداء المسلمين والمثال هنا على قتال الشيشان للروس فإن مسلمين آخرين يحاولون استثمار العداء الروسي لنصارى الغرب والتنافس الدولي بينهم لصالح دعمهم في معادلة الصراع ولرد العدو الأشد خطورة كما حصل من حماس في محاولة مد علاقتها بالروس، والنموذج يتكرر في مواقع أخرى ففي الوقت الذي اضطر فيه المجاهدون العراقيون إلى دفع صولة الشيعة ودولتهم التي أنشأتها أمريكا في العراق إبان الغزو الأمريكي عام 2003م ترى فريقا آخر من المسلمين المجاهدين ينضوون في تحالف يستظلون فيه بالمظلة الشيعية الإيرانية مضطرين بعد أن رمتهم أمم النصارى والنظم السياسية العربية عن قوس واحدة مع ملاحظة هامة وهي قابلية هذه التحالفات للتحول والانقلاب، وهذه الحال قد حدث مثلها إلى حد ما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك عندما وقع حادث صلح الحديبية وبقيت فئة من المسلمين لم تدخل في الصلح فجاز لها قتال قريش ومشاغلتها حتى أجبرت قريش على التخلي عن بعض شروط الصلح طواعية، وقد غير صلح الحديبية من معادلات الصراع القائمة حيث التحق بعض الكفار بحلف النبي صلى الله عليه وسلم وذلك عندما مالت قبيلة خزاعة إلى صف المسلمين وهي لا تزال على الكفر.


كما أن تداعي الأمم الحالي على المسلمين ودفع المسلمين لهذا التداعي تحكمه مجموعة من القواعد الشرعية المنظمة لقتال الأعداء ومنها تعين الجهاد على من دهمت بلاده وامتدا ذلك التعيين من يلي هذه البلاد من المسلمين حتى يشمل التعيين جميع المسلمين في الأرض في حال لم يتمكن أهل البلاد ومن حولهم من رد المعتدين وذلك كما أجمع علماء المسلمين.


ومنها قتال الأقرب فالأقرب من الأعداء كما ورد في تفسير قول الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين)التوبة:123، حيث ورد في تفسيرها نقلا من القرطبي عن قتادة قوله: (الآية على العموم في قتال الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى) وفي تفسير الإمام الطبري حول هذه الآية يقول: (... فإن الفرض على أهل كل ناحية، قتال من وليهم من الأعداء دون الأبعد منهم، ما لم يضطر إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام. فإن اضطروا إليهم، لزمهم عونهم ونصرهم، لأن المسلمين يد على من سواهم. ولصحة كون ذلك كذلك، تأول كل من تأول هذه الآية، أن معناها إيجاب الفرض على أهل كل ناحية قتال من وليهم من الأعداء) انتهى. إلى غير ذلك من الأحكام المنظمة لحالات الحرب والاعتداء على المسلمين وبما يشمل حالات لم تمر من قبل في التاريخ.


وعليه فإن هذا الأصل يرتب على المسلمين مواقف تبدو في بعدها القريب متناقضة وغير مفهومة وهي على المدى الاستراتيجي متكاملة ودافعة نحو التحولات الكبرى والنصر المبين بحول القوي الجبار، كما يرتب هذا الأصل على عموم المسلمين استيعاب طبيعة المرحلة من التدافع وتحولاتها وقبول هذه الخارطة الملونة في التصورات والسياسة الإسلامية، كما يرتب هذا الأصل على قيادات العمل الإسلامي والجماعات الإسلامية المتصدية لقيادة الأمة ووزن وبلورة المصالح العليا للأمة أن ينتبهوا لرياح التغيير وطبيعة التحالفات الدولية والإقليمية ويستثمروا كل فرصة تلوح لهم من أجل دفع صراعهم إلى ساحات التمكين، ولكن هذا الأصل - وأعني به مرونة الشريعة في التعامل مع الفتن والملاحم – يحتاج عند تطبيقه إلى ضوابط تبقيه في مساره الصحيح وإلا فإن الانحراف في استخدامه سيؤدي إلى انحراف أكبر وأخطر في المسيرة الكلية ومن ضوابطه:


● عدم المهادنة في المسائل العقائدية.
● الاستعداد المبدئي للبراءة ونبذ العهود عند نبذ المعاهدين لها وخيانتها.
● نصرة المسلمين لبعضهم البعض واجبة على كل المستطيعين إلا على قوم بينهم وبينهم ميثاق.
● إبقاء الصراع موجها للأخطر فالأخطر من أعداء المسلمين وامكانية عقد التحالفات مع الأعداء الأقل خطرا ضد الأشد خطورة وهو ما سوف أتعرض له في الأصل التالي.




الأصل الثامن: أعداء المسلمين ليسوا سواء


وهذا يقتضي وضع قائمة بأعداء المسلمين الأشد خطورة ثم الذين يلونهم وتوجيه بوصلة المصادمة للأشد عداوة الذي يتهدد وجود الأمة وعقيدتها، وحتى يمكن تحديد هذا النوع من الأعداء فإنه لا بد أن تتحقق فيه قائمة من السمات والتي إن توفرت في عدو فإنه يكون على رأس قائمة أعداء المسلمين الخطرين مما يقتضي توجيه رأس الحربة إليه واستهدافه قبل أن ينجز مهامه الاستراتيجية في ساحات المسلمين كما فعل ريتشارد قلب الأسد ومن معه في استهداف الشام بحربه الصليبية حتى كنسهم الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى من بلاد المسلمين وكما فعل الفونسو في الأندلس حتى أوقف زحفه البطل المجاهد يوسف بن تاشفين في معركة الزلاقة الشهيرة، وأما السمات فهي:


● القتال بهدف الصد عن الدين كما أخبرنا رب العزة عنهم: ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)البقرة:217، وفي هذا يتبين الدور التبشيري القسري واستهداف عقيدة المسلمين بالتخريب والمسخ واللعب بالعقول وكان قد تمثل هذا النوع من الاستهداف في النصف الثاني من القرن العشرين في التحدي الشيوعي العالمي أما الآن فقد تولى الأمريكان والنصارى البروتستانت على وجه الخصوص (الإنجليز والاستراليون والألمان ومن لف لفهم) كبر هذا الاستهداف العقائدي الذي جندوا له ميزانياتهم الهائلة والتي لم تسبق في التاريخ ويضاف على معادلتهم مواليهم من اليهود، دون أن نبرئ بقية النصارى لكن الكاثوليك دون البروتسانت عداوة للمسلمين والأرثوذوكس دون البروتنسانت في هذه المرحلة، ولذا رأينا كيف استثمر الأمريكان تفوقهم العسكري ووجودهم المباشر على أراضي المسلمين وخاصة الجزيرة العربية لفرض بناء الكنائس التي بدات تنتشر انتشار النار في الهشيم في جنبات الجزيرة العربية وسواحلها في قطر والإمارات وغيرها مع تسهيل هجرة النصارى والمشركين للجزيرة وبأعداد لم يسبق لها مثيل.


● المقاتلة في الدين والإخراج من الديار أو المظاهرة عليه كما أخبرنا رب العزة عنهم: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ديارهم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)الممتحنة:9.
● الاكتساح العقائدي العالمي والتهديد المستحث الخطير وباستخدام الأدوات المتطورة خاصة فيما يوصف هذه الأيام بالعولمة والسحر الذي أضيف لها عبر توظيف الأبعاد العلمية والجاذبية الفنية في الدعاية والسينما وشبكة الانترنت والقنوات الفضائية ونشر الفساد المنظم الخلقي والاجتماعي عبر التهديد بفرض قيم الانحلال الخلقي والشذوذ وحمايته عبر القانون وغل الشريعة الإسلامية ونظمها من العمل خاصة في مجال المرأة والحدود وتعليم الأجيال وغيرها من المجالات.
● الاكتساح العسكري والتمركز القاعدي والمبادأة بالقتال كما ورد كتاب الله عز وجل بقوله: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) التوبة:13.
● السيطرة على المقدسات أو تهديدها بدء من اصغر المساجد حجما إلى المساجد الثلاثة والذي سقط أحدها تحت يد العدو اليهودي بدعم مباشر من النصارى البروتستانت والكاثوليك ودعم غير مباشر من بقية النصارى والمشركين في الأرض وذلك كما علمنا رب العزة بقوله: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولو ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) الحج:40.


وبذلك الاستعراض للسمات التي إن توفرت في عدو للمسلمين فإنه لا محالة يكون أخطر الأعداء وبالتالي فإن أي تأخير في مبادلته العداوة وترتيب الجهاد ضده بناء على تلك العداوة يعتبر تخليا عن أخطر واجبات المسلمين في الأرض وإن أي اقتراب من هذا العدو لأي سبب كان يدخل المقترب منه بالضرورة ضمن أجندته لا محالة، كما أن هذه البلورة والتحديد لأخطر أعداء المسلمين يجعل المسلمين المجاهدين له في فسحة تسمح لهم بتأجيل قتال بقية الأعداء الذين يحتلون المراتب الدنيا في قائمة أعداء المسلمين بل وفي التحالف معهم ضد هذا العدو إن اقتضت ضرورة القتال والمدافعة ذلك.


الأصل التاسع: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه...) التوبة:120


فإن الفريق الجهادي - بغض النظر عن ألوانه ومواقعه- قد ورث مسيرة التمكين الإسلامية المعاصرة وذلك بحكم تعلق الجهاد بذروة سنام الإسلام وبحكم أن التمكين الإسلامي مرفوض بالكلية من قبل كل كتل الكفر على وجه الأرض وبالتالي فلا بد من مجاهدتهم لدفع أذاهم عن المسلمين ولتحقيق غاية التمكين للمسلمين: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير) الأنفال:39،وحول هذه الآية نقل الطبري عن ابن جريج قوله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، أي: لا يفتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصاً ليس له فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد.(انتهى) ورفع الفتنة عن المسلمين لا يمكن أن تحدث إلا في ظل التمكين للدين.


وبحكم الموقع الذي يمثله الفريق الجهادي فقد أصبح يتحمل العبء الأكبر والضغط الأشد الواقع من قبل الكفار على الأمة المسلمة ويواجه أخطر المؤامرات من الداخل والخارج نتيجة لوقوع اجتهاده وأدائه بالضرورة في ذروة سنام الإسلام فهو يقود الأداء الكلي للمسلمين شاء أهل السياسة المجردة أم ابوا، ونتيجة لإصرار فريق الجهاد على رؤيته واجتهاده في التمكين وبلورة المصالح العليا للأمة المسلمة فإن ضغوط الكفار عليه لن تقف عند حد معين نتيجة للرغبة الجامحة التي تحكم أولئك الكفار بشطب هذا الأصل وهذه الممارسة الجهادية من صفوف المسلمين، وليس للمسلمين من مخرج في التعامل مع هذه القضية إلا بتوجيه الدعم الكامل للفريق الجهادي حتى يفتح الله القوي العزيز عليهم، ويترتب على هذا الأصل المسائل التالية:


● يعتبر خطر حرف مسيرة المجاهدين عن مسيرتهم من أكبر الأخطار التي تتهدد المسيرة الجهادية المعاصرة وذلك بأن يقبل المجاهدون بوضع السلاح وتسليمه والرضا بتحكيم الأمم المتحدة ومطاوعة المسيرة السلمية، وسوف تستخدم كافة الوسائل لتحقيق هذا الانحراف ومن أهمها التلويح بكراسي الحكم حتى لو أدى ذلك إلى شطب بعض الأنظمة الموالية العتيقة، فلو أن حماس قبلت عرض التنازل من خلال الغزل الأوروبي مؤيدا بالغزل العربي ضمن سقف السلام العربي لشطب السيد الأمريكي على أبي مازن وزمرته منذ زمن بعيد، وكذا المقاومة العراقية فإنها مهددة بنفس التهديد والخطر، وقد بات المكر الذي تمثله الاستخبارات الامريكية وفي ظلها الاستخبارات في العالم العربي والإسلامي من أخطر مهددات استمرار الجهاد وذلك للاستراتيجية التي تعمل وفقها تلك الأجهزة بالعمل على حرف المسيرة الجهادية عبر عدة مسارات ومنها استخدام السجون والعذاب الشديد وطول الأمد داخل تلك السجون لتغيير العقلية الجهادية وكان من المواليد المسخ لهذا المسار ما عرف بمراجعات السجون ومن المسارات الحصار الشديد كالذي تتعرض له فلسطين وخاصة قطاع غزة وارتفاع معدل الشهداء ومن المسارات مظلة السلم العربي ومن المسارات استخدام السلفية لضرب الإخوان تارة واستخدام الإخوان لضرب السلفية تارة أخرى حتى وصل الأمر إلى أن يطلق بعض المحققين في أجهزة الاستخبارات لحاهم تشبها بالسلفية واستثارة لمن يحقق معهم من الإخوان، إلى غير ذلك من المسارات.


● التعددية الجهادية مطلب استراتيجي هام في الصراع الكلي خاصة في هذه المرحلة وذلك لعدة اسباب ومنها: المرونة العالية التي توفرها هذه التعددية في الصراع في ظل الاستهداف الخطير والكلي للمجاهدين ولطبيعة المعركة والملاحم، وكذلك لسعة الساحة واستيعابها وتطلبها لأعداد كبيرة من الأمة ولذا فإن تعدد الرايات والجماعات الجهادية يوفر أوعية مناسبة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المجاهدين، كما تحرم التعددية الجهادية العدو من تفوقه في السلاح وسيطرته على الأنظمة السياسية وقدرته على محاصرة تنظيم بعينه، كما تلعب التعددية حراسة للساحة الجهادية ورقابة متبادلة تمنع التهاون والتراجع الشامل، بالإضافة إلى ما توفره التعددية من ميزة تنافسية بين المجموعات، ومما يلحق بهذه المسألة الهامة والاستراتيجية في الأداء الجهادي أن لا يستعجل فريق من المجاهدين قطف ثمرة الجهاد ولا الاستحواذ على نتائجها بأي شكل من الأشكال لأن من شأن ذلك أن يهدد المسيرة الجهادية كلها فالأمر لله يضعه حيث يشاء عز وجل: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) الأنفال:1، ولعل من الأمثلة المباشرة على زعزعة الساحة الجهادية وصفة التعددية فيها هو محاولة بعض فرق الجهاد قطف الثمرة قبل أوانها وفرض القيادة والسيطرة على الآخرين ومن ذلك إقدام بعض فرق الجهاد على إعلان دولة العراق الإسلامية ومع ما في ها الإعلان من فوائد أهمها تكريس المسيرة الجهادية إلى وجهتها النهائية الاستراتيجية واعتبار ما دون ذلك لا ينهض بمررات الجهاد لكن المفاسد قد غلبت – على الأقل فيما يظهر حتى الآن- من تشرذم الأداء الجهادي وخطورة رمي غير المتابعين والباذلين البيعة لهذه الدولة بالخيانة أو التأخر عن الجهاد وتمكن العدو من استثمار ذلك التشرذم لصالح ضرب الجميع، وقد وعى أهل فلسطين لهذه المعطيات فمع سيطرة حماس على غزة وانفرادها بها لكنها لم تتقدم على الآخرين بالاستحواذ والاستعجال في قطف ثمرة الجهاد أو فرض السيطرة المادية والمعنوية على الآخرين


● ينبغي أن لا يفرق المسلمون بين جهاد وجهاد في رؤيتهم ودعمهم المادي والمعنوي للمجاهدين حيث يلعب الانتماء المكاني والعنصري أخطر المهددات في هذا السبيل ولذا رأينا الدعاية الأمريكية والمدعومة عربيا تفرق ما بين المقاومة العراقية (الوطنية) والمقاومة القادمة من الخارج التي تحمل الفتن!! وقد ابتلع الواقع العراقي هذا الطعم وكان سببا لتباطؤ المسيرة الجهادية في العراق عام 2007 وما تلاه، كما أن شدة الاستقطاب ما بين الجماعات المجاهدة وتنافسها في الساحات المختلفة قد أوقعها في نوع من الاستعلاء المتبادل والمزايدة على المواقف مما يقتضي سرعة المعالجة وضرورة الالتزام بالذلة بين المؤمنين التي أمر بها من أمر بالجهاد سبحانه، كما تقتضي هذه الفرعية في هذا الأصل أن يتوافق المجاهدون في الساحة المحددة المعينة على تسليم القياد (أقصد عدم المنافسة على القيادة كمرحلة ثم الانصياع والتسليم الكامل متى اقتضت ضرورات الجهاد ذلك) لمن فتح الله عليه من جماعات الجهاد فسبق الآخرين سواء بكثرة المنضويين تحت لوائه أو بشدته ونكايته بالعدو وقدرته الميدانية أو غير ذلك من أسباب السبق العملية وأن تكون المنافسة بين الجماعات الجهادية موجهة لضرب العدو لا للتباغض والتحاسد والصراع على القيادة والمكانة فإن ذلك مبطل للعمل، وأن ينتبه المجاهدون لما يخططه العدو بضرب بعضهم ببعض وتشجيع التنافس المذموم الذي يستحوذ على الأداء الجهادي بدعوى تفريط الآخرين بل وخيانتهم للمسيرة الجهادية وما أشبه، وقد انتبه العدو لأهمية إشعال هذه الفتنة ورفع السنتها فإن لم ينتبه قادة الجهاد لهذه الحقيقة فإنهم يوشكون أن يستجيبوا لأمنية العدو بالتنازع والفشل وذهاب الريح.


● ومع التسليم للمجاهدين برؤيتهم واجتهادهم وقيادتهم للساحات الجهادية الخاصة بهم ومعرفتهم بما يصلح تلك الساحات ولكنهم ينبغي أن لا يترفعوا عن المناصحة والاستماع للآراء التي لا تتفق واجتهادهم من قبل إخوانهم المسلمين خاصة فيما يخص الترخص في الدماء المسلمة التي حرمها الله عز وجل ولئن تتأخر المسيرة الجهادية شيئا ما أفضل من الوقوع في دماء المسلمين فالمسيرة الجهادية محفوظة من رب السماء والأرض والجهاد ماض إلى قيام الساعة والأولى إعذار المستضعفين من المسلمين الذين اضطروا تحت ضغط الحاجة للعمل في الدولة الشيعية التي أنشأها الأمريكان في العراق بعد إنذارهم وتحذيرهم من خطورة ما يفعلون وبيان سوء وفساد تأويلهم فيما ذهبوا إليه وعدم مواجههتهم إلا عند الاضطرار والعفو عنهم عند المقدرة عليهم، وإن أداء الكفار وضغوطهم وفسادهم مع مرور الوقت كفيل بإرجاع كثير ممن تابع العدو مضطرا، مع ضرورة التفريق بين من تابع ورضي وعلم بإصرار أنه يخدم العدو الكافر وبين السذج والمخدوعين خاصة في ظل الحاجة المادية والمعاناة والدعاية المركزة التي يتعرض لها المسلمون في العراق وعدم قدرة أغلب العراقيين من أهل السنة على التمييز بين ما بات يعرف بالمشروع الوطني العراقي والمشروع الإسلامي العالمي ومتطلباته فكم استهلك مجاهدوا فلسطين من الوقت حتى وصلوا بالشعب الفلسطيني إلى نقطة ومرحلة اللاعودة في سبيل استخلاص المقدسات من أيدي يهود ومع ذلك فلا تزال الخطورة قائمة في فلسطين أن يغلب الطرح المنغلق أو ما يسمى بالمشروع الوطني على المشروع الإسلامي العالمي والذي لبابه استخلاص المقدسات من أيدي اليهود؟ وكذا يمكن أن ينصح المجاهدون في فلسطين بأنه لا خلاف على سعي قادة الجهاد إلى التخفيف عن المسلمين كما هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة حتى يفك الحصار عن المدينة وأهلها وأن الهدنة مشروعة عند تحقق شروطها وأن الأصل في التعامل مع فرقاء الداخل الفلسطيني ينبغي أن يراعي لم الشعث الفلسطيني وانتزاع السلطة ممن اغتصبوها في غفلة من أهلها من الشيوعيين والقوميين العلمانيين دون وقوع في فخ النزاع الداخلي والحروب الأهلية وكذا يمكن تفهم المكر والدهاء في إدارة المفاوضات السياسية بحيث يحصل المجاهدون على غنائم السياسة لصالح الجهاد دون السماح بتحصيل الكثير للطرف المفاوض ومفهوم أن تسعى القيادة لتوفير الأجواء التي تسمح للمجاهدين أن يتنفسوا الصعداء وتأكيدا سيطرتهم ميدانيا من خلال الهدنة بعد الهدنة كل ذلك مفهوم ومستوعب لكن يحق للمسلمين أن يتساءلوا وأن ينصحوا فإن الاستجابة لمشروع السلم العربي تحوم حوله الشكوك من جوانب كثيرة حتى وإن اشترط المجاهدون دولة وعاصمتها القدس! أولم يصر عرفات من قبل على إقناع المسلمين بأنه سيحصل على دولة عاصمتها القدس ثم لم تسلم له بتسكين السين وفتح اللام قرية من قرى القدس ولا حي من أحيائها، ثم كيف يمكن الرجوع عن الاتفاقات بعد أن تمهر بخاتم النظام العربي ويعلوه خاتم الأمم المتحدة (النصراني واليهودي بامتياز) وكيف سيمكن التفاهم مع دحلان وجماعته الذين سيرثون أبي مازن ضمن حكومة وحدة وطنية كما تسمى أو ليس المسار كله قد غلفه الضباب وذلك منذ أن بدأت مسيرة المشاركة السياسية؟ إلا أن الله لطف بالمجاهدين من خلال دورهم في انتزاع غزة من أيدي تيار أوسلو بعد أن عاثوا فيها فسادا، وعلى العموم لا يزال الاطمئنان قائما ما دامت المسيرة الجهادية قائمة وإن أثرت عليها السياسة بعض الشيء ولبدت سماءها بالغيوم.


● لن تستقيم المسيرة الجهادية المعاصرة إلا برؤية عالمية واستراتيجية للتمكين تؤدي إلى ضبط المسيرة الجهادية في بعدها الاستراتيجي والكلي وتمنع الوقوع في فخ المنعطفات والعصبيات وتفتح الأبواب لاستثمار كل الساحات والمقدرات والأزمات لصالح ذلك التمكين ثم يأتي بعد ذلك التوحد القيادي والمرجعي للأداء الجهادي في وقته المناسب وحسب التطورات في كل الاتجاهات ولكن هذا التوحد لا يمكن أن يحث إلا أن يقوم المجاهدون بوضع أولى لبناته ومن الآن وإلا فإن هذا التأخر سوف يؤدي إلى استعصاء وانغلاق في المراحل المتقدمة.


● إن من أغرب ما سيطر على العقلية المسلمة في مرحلة استضعافها الحالية هو قبولها بمعطيات الجهاد ضد اليهود في فلسطين وبناء الأمل عليه ـ وهو كذلك بلا شك- مع ما يعانيه ذلك الجهاد من الحصار والصعوبات الجمة في طريقه والانقطاع الشديد ما بينه وبين بقية أبناء الأمة ومع ذلك وبالمقابل نجد أن العقلية والنفسية الجمعية للأمة لم تكن تتقبل الجهاد ضد الأمريكان قبل سقوط العراق بأيديهم مع العلم بأن الدور الحقيقي في سقوط المقدسات بيد يهود واستمرار التفوق اليهودي في المنطقة ما هو إلا صناعة بروتستانتية في المقام الأول بدأه الإنجليز وأكمله الأمريكان! وعليه فإن التطور العالمي الذي أدخلته جماعة القاعدة بإعلانها الجهاد ضد الأمريكان يعد تطورا استراتيجيا هاما في الصراع الكلي على المقدسات وقد أثبت سقوط العراق تحت الآلة العسكرية الأمريكية هذه الحقيقة - بغض النظر عن الخلاف المسيطر على الساحة الإسلامية في استيعاب اجتهاد جماعة القاعدة في بعض أوجهه أو كلهاـ وبالتالي فإن معركة العراق ومعركة أفغانستان في الحقيقة ما هي إلا وجه آخر مكمل لمعركة فلسطين ومتسق مع المسيرة الكلية للمسلمين كما تنبأ بذلك قبل ما يقرب من عقدين من الزمن الشيخ المجاهد عبدالله عزام رحمه الله وأجزل مثوبته، وعليه فإن من أخطر مهددات الجهاد في فلسطين في هذه المرحلة التفريق بين اليهود والأمريكان واقتناع بعض قيادات الجهاد في فلسطين بامكانية وجود طريق ما يعزل المصلحة الأمريكية عن المصلحة اليهودية والغفلة عن الخطورة الاستراتيجية التي تمثلها العقيدة والفعل البروتستانتي النصراني على المسلمين وعلى فلسطين بوجه الخصوص ومن ثم الانقياد تدريجيا وراء الوعود الأمريكية مدعومة بالوعود العربية التي أفضت بياسر عرفات وأنور السادات من قبل إلى كامب ديفد، ومع الثقة المتوفرة في قيادات الجهاد الفلسطيني لكن واجب النصح يقتضي التوقف عند هذه الحقائق مطولا.


● ينبغي على قيادات الحركات الإسلامية العاملة في الساحات الباردة أو نصف الساخنة أن ترفع الحظر المفروض على مشاركة شباب المسلمين في المسيرة الجهادية العالمية فهذا أوان عولمة الأداء الجهادي للمسلمين ولن يكون ذلك إلا باعتماد استراتيجية رفع الوهن من النفوس وأن يحل محل ذلك الوهن عشق الشهادة والجهاد في سبيل الله تعالى.


● وإن من أشد الأخطار الداخلية التي تتهدد الجهاد والمجاهدين وعلاقة الجهاد ببقية أنواع الأداء الإسلامي في وقتنا هذا هو تصور مآلات هذا الجهاد الكبرى ومستقره بعد أن يأذن الله العزيز بنصر المؤمنين؟ فهل ستكون مآلاته إلى خلافة إسلامية راشدة؟ وهي أفضل ما يتمنى المسلمون ويرغبون فيه أم إلى ملك عضوض تنقصه صفة الرشد التي اتسمت بها مرحلة الخلافة الراشدة؟ ومعلوم أن الملك العضوض بدأ بالدولة الأموية واستمر إلى سقوط الدولة العثمانية وقد تميزت تلك المرحلة من الخلافة الإسلامية بالاستظلال بالإسلام وتطبيقه والعناية بمصالح المسلمين العليا ورفع راية الجهاد ولكن الحكم كان متداولا بين عصبيات محددة، وعليه فإن صيرورة الحكم الإسلامي إلى قبيلة محددة أو شعب محدد أو جماعة محددة إنما هي عضوضية أخرى فهل تسعى قيادات الأمة إلى تلك العضوضية؟ أم أن مآلات الجهاد ـ لاقدر الله الحليم ـ ستؤول إلى استبدال خارطة الحكم الجبري الحالي بخارطة أخرى ولكن بلون إسلامي؟ فهاهنا دولة للقاعدة وهاهنا دولة للإخوان المسلمين ودول لغيرهم وبين الدول ما صنع الحداد؟


وللإجابة على هذا السؤال فإنه يلزم الرجوع إلى المرتكزات والتصورات التي أدليت بها في كتاب ملامح المشروع الإسلامي، والتي انتهيت فيها إلى أنه وفق المراحل العامة التي أنبأنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثته وما سيكون إلى قيام الساعة ووفق ما يمليه المسار العام للشريعة الإسلامية على المسلمين فإن المرحلة القادمة بإذن الله الكريم تؤشر إلى قرب قيام خلافة راشدة على منهاج النبوة تبلغ ما بلغ الليل والنهار وهي التي بشرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏(إن الله ‏ ‏زوى ‏ ‏لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما ‏ ‏زوي ‏ ‏لي منها...)انتهى. وهذه ليست خلافة المهدي - على الأرجح- التي ستتحقق بين يدي الساعة إذْ أن خلافة المهدي متعلقة بعلامات الساعة الكبرى وتتابعها ومنها نزول نبي الله عيسى عليه السلام، وسواء صدق هذا التوقع أم لا فإن الواجب على قيادات الجهاد أن تدفع باتجاه قيام الخلافة الراشدة لا باتجاه تكرار الملك العضوض فضلا عن الملك الجبري، وهذا الدفع يقتضي من قادة الجهاد الحرص على عدم تلوين مآلات الجهاد باي عصبية كانت، لا عصبية الجماعات الإسلامية ولا عصبية القيادات فضلا عن عصبيات الأوطان والقبائل والأعراق، ومن الآن وقبل أن يصيبهم ما أصاب المجاهدين الأفغان قبيل سقوط كابل فإذا بهم يتناحرون تناحر الأعداء الذين غرقوا في عداوتهم ودعواهم واحدة! فلا سبيل لصلحهم فضلا عن تآخيهم وهو البأس الشديد الذي حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكملة نفس الحديث الذي أوردته آنفا والذي رواه مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (... ‏وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح ‏ ‏بيضتهم ‏ ‏وإن ربي قال يا ‏ ‏محمد ‏ ‏إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح ‏ ‏بيضتهم ‏ ‏ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ‏ ‏ويسبي ‏ ‏بعضهم بعضا)انتهى.




ولمتأمل أن يتأمل ولسائل أن يسأل: لماذا هذا القدَر الرباني الذي نراه واقعا بتوزيع كتل الجهاد الكبرى في فلسطين والعراق وافغانستان بين الجماعات الإسلامية بل والشعوب المسلمة أقصد الإخوان والسلف والجهاد إن صح التوزيع وصحت التسمية؟ إنه والله تعالى أعلم حتى لا تؤدي سيطرة كتلة واحدة إلى دولة عضوض أخرى فقد ذهبت العضوضية ولا مجال لعودتها، وبهذا التوزيع لكتل الجهاد على الجماعات المختلفة وعلى الشعوب المسلمة فإن ذلك يسهل على المسلمين الاقتراب من الرشد الكامن في الخلافة التي هي على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة المهديين من بعده.


● وإن مما يتعلق بالمسألة السابقة ويهدد ساحة الأداء الجهادي وبالتالي ساحة الأداء الإسلامي الكلي هو أن يتم استيراد واستحضار كافة نقاط الاختلاف من ميادين البحث العلمي المجرد لكي يتم عكسها وتلوين الساحات العملية بها بحيث يتم استحضار كافة نقاط الاختلاف العلمية والفروق بين الجماعات المجتهدة في الفهم الإسلامي المعاصر ويتم التراشق بتلك الفروق في ساحة الجهاد! فإن مما هو معروف لدى العلماء أن ساحة البحث العلمي والاختلاف النظري في إطار أهل السنة والجماعة لا يمكن أن تستورد بحذافيرها لكي تقاس وتوزن بها الساحات العملية ومنها ساحة الجهاد لأن ما يسع في ساحات البحث العلمي المجردة لا يسع في ساحات الجهاد المهددة، والمثال خير سبيل لتقريب الأمر فإن الخلاف النظري والعلمي الحادث في الخمسين سنة الماضية بين طرح واجتهاد الإخوان المسلمين وبين الاطروحات السلفية هو المقصود في هذا التحذير، حيث يستطيع المراقب للساحات الجهادية على وجه الخصوص أن يلحظ هذا الاستيراد لمفردات البحث العلمي والتي لا تؤثر كثيرا على المختلفين ما داموا في مجال البحث النظري حتى لو تقاطعوا وتدابروا نتيجة لذلك الاختلاف لكن الأثر أخطر بكثير بين المختلفين في الساحات الجهادية لأن الفصل في الخلاف يكون غالبا برفع السلاح في الوجوه بل والإخراج من الملة لطبيعة الساحة الجهادية والتوتر الذي يخيم عليها، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة عندما قرّع أسامة بن زيد رضي الله عنهما بعد أن قتل من شهد أن لا إله إلا الله ونص الحديث في صحيح مسلم عن أسامة قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقال لا إله إلا الله وقتلته قال قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ)انتهى، والشاهد في الحديث هنا هو غلبة الظن والشك الذي وقع فيه أسامة رضي الله عنه تجاه حقيقة شهادة الرجل وما كان ذلك الشك ليحدث لولا شدة الموقف والحسم الذي تتميز به ساحة القتال، وعليه فإن ما يقوم به المنتمون للاجتهاد السلفي المعاصر من هجوم لاذع لا يبقي ولا يذر تجاه المخالفين في بعض الاجتهاد من إخوانهم المسلمين واستخدام اسلوب التشكيك الكلي والنسف القاعدي لكل المخالفين ليهدد مستقبل المسلمين بفتنة التشرذم والفشل، كما أن تبشير أصحاب التيار السلفي بهم وحدهم كمنقذين للأمة ومتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم ليوقع الساحة الجهادية في ضيق شديد مما يقتضي الاستجابة لأمر الله تعالى بالذلة بين المؤمنين والرفق بالمسلمين كما ورد في مسند الإمام أحمد عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏قال: (قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق). فلا يبنغي معاملة الساحة الجهادية معاملة الساحة البحثية العلمية ولا يعني ذلك أن نوقف العمل بالأحكام الشرعية –معاذ الله- في الساحة الجهادية لكن القصد ينصرف إلى طبيعة الخطاب والمعالجة.


● وإن من أدق الأحكام وأخطرها وأكثرها قابلية للجدل والاختلاف في أوساط المسلمين هو مدى مشروعية وقابلية تعرض المجاهدين للأهداف العسكرية أو المدنية لأعداء المسلمين في بلاد المسلمين والتي لا تتوفر فيها شروط وظروف القتال والاشتباك بالعدو المحارب وكذلك استهداف العدو المحارب في عقر داره كما تفعل جماعة القاعدة، وحتى يمكننا الاقتراب من هذه الساحة الشائكة وتفهم معطياتها فلا بد من التذكير بعدة أمور تسمح بتصور أدق لمجريات هذا النوع من الأداء الجهادي أول تلك الأمور بأن فقد المرجعية السياسية للأمة وانجذاب حكام المسلمين لللمشروع الأمريكي وخدمته أوجبت على المسلمين أن يجتهدوا في التعامل مع الضرورات التي فرضت عليهم فقد قام المجتهدون كل في مكانه بواجبه مثلما قامت حماس بدورها الجهادي ولم تستشر ياسر عرفات ولي أمر الفلسطينين المفترض في ذلك الوقت بنهاية الثمانينيات في القرن العشرين بل إن نظام السلطة الفلسطينية لم يتم إدخاله إلى فلسسطين إلا للقيام بدوره في مصادرة الجهاد الفلسطيني، وإن هذا التصدي الاجتهادي الجهادي لمتطلبات الساحات الإسلامية لا يترك مجالا إلا أن يمضي كل مجتهد في تطبيق رؤيته وإدارة ساحته حسب ما تبين له من وقائع مع أهمية المناصحة والمشاورة من قبل بقية المسلمين له، وثاني الأمور في التصدي الجهادي الحالي أنه لا يمكن إلزام كل المسلمين بتصور واحد ولا بمسار عملي واحد فقد سقطت العراق وما أدراك ما العراق في ظل النظم السياسية والتي انقسمت إلى قسمين إما مشارك بسقوط بغداد أو متفرج عليه! فماذا يمكن للمسلمين في ظل هذه الحال من الهجمة النصرانية الشرسة التي تقودها أمريكا إلا أن تدفعوا بكل ما استطاعوا مما يقع تحت أيديهم فلم تعد هناك ساحة آمنة للأمة المسلمة بناء على هذا الدهم العام والتغلغل الاستخباراتي الشامل، وأعتقد بأن التطورات الميدانية هي التي تحكم هذا النوع من الأداء فالأصل أن يتم التركيز على الساحات التي فرض العدو فيها القتال على المسلمين ولكنه وفي حال قام هذا العدو بتوسيع استهدافه للساحات الباردة بعمليات قتالية من الخطف والقتل وفي حال استهدف العدو الآمنين العزل من المسلمين كما فعلت الاستخبارات الأمريكية من خطف وقتل في باكستان واليمن وإيطاليا، ففي ظل هذا التوسيع والاستهداف الأمريكي الشامل العسكري والعقائدي والثقافي والأخلاقي والتعليمي ودعم اليهود في استهدافهم للمسجد الأقصى فإن كل أهداف العدو الظاهرة والخفية يمكن أن تستهدف سواء بتطبيق الرد بالمثل كما في قوله عز وجل: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)النحل:126، على خلاف حول نسخ الآية أو إحكامها أو بتطبيق قاعدة القتال المطلق كما في قوله عز وجل: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم)التوبة:5، ولكن هذا التقدير متروك لقيادات الجهاد ووزنها لمثل هذه العمليات وأثرها على العدو وعلى المسلمين، وإذا كان المسلمون اليوم يستنكرون فعل القاعدة في هذا المجال فكأني بهم وبعد أن يزلزل اليهود أركان المسجد الأقصى ـ لا قدر الله الحليم- يذهبون كل مذهب في هذا الاتجاه وبما لم تفكر فيه جماعة القاعدة، ومن يستبعد من المسلمين حدوث هذا التهديم للمسجد الأقصى في ظل المعطيات الحالية فإني أذكره بما مر على المسلمين في التاريخ فقد قام القرامطة عند ظهورهم بغـزو مكة وقتل الحجيج في يوم التروية وكسروا الحجر الأسود وأخذوه إلى ديارهم فهل من معتبر؟




الأصل العاشر: المدافعة السياسية واجب شرعي يتعـلق بمصالح المسلمين العليا


إن الفريق السياسي الواقف على مصالح المسلمين ورعايتها في البقاع المختلفة من بلاد المسلمين وحتى في عقر ديار الكفار إنما يقوم بدور شرعي وواجب عملي تمليه مبادئ الإسلام من أمر بمعروف ونهي عن منكر وجلب المصالح ودفع المفاسد وتمثيل لضمير الأمة ومكنونها وفق الاستطاعة ووفق النماذج السياسية والمؤسسية التي آلت إليها الاجتهادات المعاصرة لعلماء المسلمين في البقاع المختلفة ووفق طبيعة الساحات التي يقف عليها المسلمون، وهذا الدور لا يقل بأي حال من الأحوال أهمية وأثرا في المشروع الإسلامي والرؤية البعيدة المدى عن الدور الجهادي المباشر فثمة مصالح هائلة وضرورات ماثلة لا بد أن يتصدى لها القائمون بأمر هذا الدين من العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية بحسب ما يقتضيه الحال من التصدي والمعالجة، خاصة في ظل حقائق هامة تأتي في مقدمتها حال الاستضعاف التي عليها الأمة ومراعاة هذه الحال ثم استحالة تحويل كل ساحات المسلمين إلى أرض للمقاومة والجهاد في ظل المعطيات الواقعية المشاهدة ولعدم تحقق كل معطيات الجهاد في أغلب ساحات المسلمين ومن أهمها عدم وجود العدو البارز الواضح الذي يمكن قتاله علاوة على تيقن حدوث القتل في المسلمين في حال نشوب القتال ثم لتمكن الأنظمة السياسية من رقاب المسلمين ومطاوعتها للعدو الكافر واستعدادها للذهاب كل مذهب لمنع تطور الأوضاع الداخلية باتجاه استقلال وسيطرة المسلمين على مقدراتهم وواقعهم ثم لحاجة المسلمين المستضعفين إلى التدرج حتى يلامسوا المستويات العليا من التضحية والأداء الإسلامي ولحاجتهم الماسة إلى التربية والإعداد وبث العلم الشرعي بينهم وبين أجيالهم المتجددة، كما تأتي أهمية الممارسة السياسية في بلاد المسلمين لأهمية إقامة الحجة على المعاندين والرافضين للنظام الإسلامي من بني جلدتنا والذهاب معهم كل مذهب يبيحه الشرع وحتى لا يتحدث الناس بأن المسلمين يقتلون بعضهم بعضا، وانتظارا لتطور أوضاع الساحات الجهادية ومآلاتها فالساحتان تمدان بعضهما البعض بدعم معنوي ومادي يؤدي إلى تطور الأداء الإسلامي الكلي، وفي ظل هذا الأصل من حيث الاعتبار الشرعي للعمل والأداء السياسي يمكن التوقف عند ما يلي من مسائل:


● إن الاتجاه العام الذي ينبغي أن يحكم مسيرة الأداء السياسي هو الاتجاه التغييري الإصلاحي لا الاتجاه الترقيعي الإصلاحي المجرد والذي يبقي الفساد في مواقعه يرتع ويلعب، وحتى يكون هذا الاتجاه التغييري هو المبرر الشرعي الأساسي في ألوان الأداء السياسي من امر بمعروف ونهي عن منكر في مستوياته العليا، وحتى يصب هذا الاتجاه في مشروع التمكين للإسلام فإذا صلح هذا التصور وهذا المنطلق صلح ما بعده وإذا فسد فسد ما يليه، فالأداء السياسي الإسلامي إنما يدفع - وإن شارك سياسيا- باتجاه التحرر والانعتاق من الدكتاتوريات العلمانية والعسكرية والملكية وإلا فما معنى رعاية مصالح الشعوب المسلمة إذا أهمل هذا البعد وتم التصالح الكلي والنهائي مع النظم السياسية الحاكمة؟ ومن مقتضيات هذا الاتجاه العام أن تستظل المرونة السياسية بهذا الاتجاه فلا تذهب المرونة كل مذهب بدعوى اللعبة السياسية مثلا فإذا كان الآخرون يلعبون فإن الدعاة لا يلعبون بالإسلام ومبادئه ولا بمصالح المسلمين العليا ولا ينبغي أن تذهب المرونة السياسية باتجاه فن الممكن كل مذهب فإن للدعاة صلابتهم المستمدة من منهج الإسلام ومطالبه ورعايته لمصالح المسلمين العليا مرة اخرى وهكذا.


● وإن مما يتعلق بالمسألة السابقة أن يتقدم الساسة المسلمون والعاملون لهذا الدين عند ممارستهم للسياسة بمبادئهم الواضحة وإشاراتهم التي لا تخطؤها العين فلا يلبسون على المسلمين وهم الأمناء بحجة أن يتم قبولهم في النظام السياسي ولكي يتلاءموا مع متطلبات الديموقراطية الأمريكية ووسمهم بصفة الاعتدال فالمسلمون ليسوا بحاجة إلى استبدال النظم العلمانية بنظم جديدة تظهر العلمانية وتبطن الإسلام فهذه ليست ساحة للشيعة والباطنية الإسماعيلية.


● ومما يتعلق بالمسألة الأولى أن الساسة المسلمين هم في حرب أيضا ولكنها حرب بلا حديد فهم حرب على التوجهات الأمريكية والنصرانية التي باتت تستهدف عقيدة المسلمين ومقدراتهم وعليه فلا مهادنة ولا استظلال بالشرعية الأمريكية ولا طلب رضى السيد الأمريكي ولا امكانية بتبادل المنافع مع السيد الأمريكي ولا الدخول معه في أجندة مشتركة خافية أو ظاهرة، ولا الاقتراب من السرطان اليهودي، ولا الاستقواء على النظم المنبطحة للنظام الأمريكي بمنظومة الديموقراطية وحقوق الإنسان الأمريكية ولا بقنواته الفضائية التي تدعي الحرية.


● ومما يلحق هذه المسألة ويتعلق بها أن يعتمد الساسة المسلمون في مسيرتهم على استراتيجية الاستعصاء (كما سمتها قيادات حزب التجمع اليمني للإصلاح) ضد الاستهداف الشامل والكلي للنهضة الإسلامية المعاصرة والرغبة الجامحة التي تهيمن على النصارى بمسح آثار الدعوة والتربية الإسلامية المعاصرة عن الأجيال في مختلف بلدان العالم الإسلامي وبتجفيف منابع التأثير الإسلامي، فهو استعصاء على الذوبان والكسر والمسح من الساحات حتى يأذن الله عز وجل بتبديل الحال.


● وإن من أخطر ما يواجه فريق السياسة في هذه المرحلة من تاريخ المسلمين المعاصر هو التناغم الكلي والذوبان الكامل في منظومة الحكم السياسية السائدة في البلاد العربية والإسلامية وفق الخطة التي وضعتها الإدارة الأمريكية في تعاملها مع ما يسمى بالإسلام السياسي (يعني تقديم السياسة والمصلحة على ثوابت الإسلام) وقبول تلك الخطة المبدئي بإشارات المسلمين ومسميات أحزابهم وبرموزهم القيادية بشرط انضواء تلك الأحزاب في منظومة علمانية تتلاقى مع المصالح الأمريكية وتقوم على خدمتها كما فعلت الأحزاب القومية العلمانية واليسارية في المنطقة طوال النصف الثاني من القرن العشرين خاصة وقد وضع القطار على سكته وتم تدشين هذا الخط السياسي بحزب العدالة التركي وبالحزب الإسلامي العراقي أما النموذج الأول فقد تقدم بحزب علماني بحت وقبل بخدمة أهداف أتاتورك هادم الخلافة الإسلامية ثم انضوى في النظام العلماني التركي بكل معطياته ومن ذلك تبعية ذلك النظام للاستراتيجية الأمريكية والحروب الأمريكية في المنطقة وأما النموذج الثاني فقد طبق اجتهادا قديما على ساحة كل ما فيها جديد فهي ساحة محتلة عسكريا بدأ الأمريكان فيها ثاني حروبهم الاستباقية ووضعوا بذلك ايديهم الغليظة على المقدسات والمقدرات معا، وهي ساحة قد بدأ أهلها للتو بتطبيق نموذج جهادي واعد، وهي ساحة بدأ الشيعة فيها بوضع أول نماذجهم التطبيقية في التمدد العالمي والمتعاون مع أمريكا ومع ذلك قبل هذا الحزب أن يكون بيدقا من خشب ينصبه الشيعة في ساحتهم تارة وينصبه الامريكان في ساحتهم تارة أخرى.


● أما المرونة السياسية التي يمكن للساسة المسلمين أن يعملوا بها فهي إنما تراوح ما بين وضوح المبادئ وبين السعة التي تمنحها الشريعة الإسلامية سواء في بعدها العام أو في بعد الضرورة التي تقدر بقدرها ومن ذلك إعلان الأحزاب والتجمعات الإسلامية قبولها المبدئي بالنظام السياسي القائم في البلد المعني والتعامل معه ولكن مع طرح الشروط الخاصة بالتصور الإسلامي لإصلاح الأوضاع في المجالات المختلفة السياسية منها والاقتصادية والقانونية والتربوية والاجتماعية إلى غير ذلك من المجالات ومن رفض لكل أنواع الفساد التي يمارسها النظام السياسي، كما أن من المرونة السياسية والحفاظ على المصالح العامة للمسلمين في البلد المعني الانضواء تحت النظام البرلماني الديموقراطي كمرحلة إصلاحية بشرط الاستظلال بالإسلام كمظلة أساسية وليس بنظام علماني يرفض الإقرار بمرجعية الإسلام ويتوفر هذا الأساس في أغلب بلدان العالم الإسلامي بنصوص دستورية بغض النظر عن مدى التطبيق العملي - لا زهدا في التطبيق بطبيعة الحال ولكن تعاملا مع الضرورة- فإن بامكان المنظوين في النظام البرلماني في مثل هذه النظم أن يحاكموا الآخرين إلى المرجعية الإسلامية ويحاجوهم بها بحكم عقيدة المسلمين أولا ثم بحكم دستوريتها ثانيا، كما أن بإمكان المتعاملين بالنظام الديموقراطي أن يقاطعوا الانتخابات والحياة السياسية بشكلها القانوني متى ما تعسف النظام السياسي وطغى في تعامله مع المسلمين فليس معنى المشاركة السياسية أن يهمل المشاركون ثوابتهم ويتعلقوا بمجرد مبدأ المشاركة فإن الله تعالى سوف يسائلهم عما استرعاهم من أمانات وتأتي أمانة المنهج الإسلامي في مقدمة تلك الأمانات. ومن الأمثلة الواضحة على هذا النوع من الأداء تأتي جماعة العدل والإحسان في المغرب كنموذج ثابت وشامخ تجاه الحفاظ على الثوابت والتذكير بها، وكذا ما قامت به جماعات إسلامية سياسية في مواقع مختلفة من مقاطعة المشاركة السياسية مثلما حصل من الجماعة الإسلامية في باكستان مؤخرا وغيرها من الجماعات والأحزاب لما أصبحت المشاركة في حد ذاتها مشاركة في الفساد العام الذي تقوده الحكومات.


● ومن المرونة السياسية التحالف الجزئي أوالكلي مع ألوان طيف التشكيل السياسي القائم في البلد المعني بشرط وجود إعلان مبادئ إسلامي يستظل الجميع به فإن لم يمكن فإعلان مبادئ خاص بالساسة المسلمين المشاركين يؤكد على البعد الإسلامي ورؤيتهم لحل مشاكل البلد المعني وإصلاح الخلل فيه وبشرط أن لا يلتحق بهذا الحلف من يقيم على ما يضر بمصالح المسلمين العليا في تلك البلد من عمل ودعوة عقائدية هادمة للإسلام أو موالاة للمحاربين وما أشبه، ومن هنا كمثال جاء التحالف الجزئي لحزب التجمع اليمني للإصلاح مع بقايا الاشتراكية اليمنية بعد أن تحولت موازين القوى في اليمن وأصبح أهم مطلب أمريكي مطلوب من الحكومة اليمنية هو هدم ما بناه الدعاة طوال العقود الماضية من بناء إسلامي في نفوس الأجيال والناس وبعد أن أقر قادة الحزب الاشتراكي بإعلان المبادئ الذي وضعه حزب التجمع اليمني للإصلاح وفيه كل متطلبات المرجعية الإسلامية إضافة إلى أهمية المحافظة على علاقة وثيقة بالجنوب اليمني لخطورته في المعادلة اليمنية ككل.


● ومما يتعلق بهذا الأصل وهو واجب المدافعة السياسية أن يوازن الساسة المسلمون بين البعد الإسلامي للمشروع الإسلامي والبعد الوطني فلهم أن يتجاوبوا مع متطلبات البعد الوطني والمصالح المتحققة في البلد الواحد وأن ينشغلوا بها دون أن يخل ذلك بالبعد الإقليمي والعالمي في المشروع الإسلامي فلا يمكن للساسة المسلمين أن يغفلوا عن قضية المقدسات والجهاد في فلسطين ولا عن الدماء التي يهريقها الأعداء في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها، وعند تعارض المصلحة الوطنية مع المصلحة العامة للأمة فالأصل أن تقدم المصلحة الأعلى وهي هنا متعلقة بالمشروع الإسلامي العالمي ومن النماذج الناجحة في تطبيق هذا المبدأ تقديم حزب العمل الإسلامي الأردني مصلحة القضية الفلسطينية ونصرتها على مصلحة التواصل مع النظام المحلي عندما اقتضت ثوابت القضية الإسلامية ذلك.


● ومما يتعلق بهذا الأصل أن يستعد المسلمون للمتغيرات الميدانية المترتبة على حقائق المدافعة وما يصحبها من معطيات فالمسلمون ليسوا في زمن حرب باردة بل هم في حرب ساخنة واقعة عليهم بشكل مباشر ولم يعد من شيء كثير في يد النظم السياسية لتفعله مما يقتضي الاستعداد لكل أشكال التغيير خاصة عندما تهدد المقدسات على المستوى العالمي وعندما تلوح نذر التحولات الكبرى ويأتي وقت حصاد نتائج الفساد السياسي والاقتصادي طويل المدى في العالم العربي والإسلامي وعندما تلوح مؤشرات الثورات وعندما تبدأ النظم الجبرية القائمة بالترنح فلا نعيش بأحلام اليقظة ولا نرجع بضم النون وكسر الجيم جلادينا بأيدينا إلى السدة ثم نقعد تحت سياطهم الأمنية والاقتصادية راضين مطمئنين كما فعل البعض في الجزائر، ولعل أبلغ الدروس في أهمية قراءة التغيرات الكبرى والاستعداد لها والخطورة المترتبة على ذلك هو ما حدث في العراق وخاصة الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه حركة الإخوان المسلمين التي تمثل ثقلا استراتيجيا كبيرا في الأداء الإسلامي الكلي سواء بامتدادها العالمي أو بجناحها العراقي فلا هي أسست للمدافعة الكاملة الوافرة للعدو الأشد والأخطر في قائمة أعداء المسلمين على أرض العراق ولا هي أوقفت جناحها العراقي من التمادي في تعاونه مع المحتل والذي أخل أداؤه كثيرا بوزن ومعادلة أهل السنة في تلك البلاد.




خامسا: الخاتمة


لقد فرضت التطورات في الساحة الإسلامية الكلية في الفترة الأخيرة تداخلا ما بين السياسة والجهاد لا تخطئه العين وبالتالي فإن الفصام النكد الذي تعمق ما بين الساحتين يجب أن يخلخل تمهيدا لإزاحته وإحداث التواصل الكلي بينهما وهذا الأمل لن يتحقق إلا بوضع الثوابت من دين الإسلام وما يتعلق بها من مصالح المسلمين العليا تحت النظر دائما وذلك بأن يتقدم أهل الجهاد وأهل السياسة نحو خدمة تلك المصالح وإن انطلق كل من ساحته ومعطياتها. ولعل مما أسهم في هذا التداخل بين الساحتين عوامل متفرقة كان من أهمها تداخل الجهاد والسياسة في العراق وفي فلسطين، ومن الأمثلة على هذا التداخل اجتهاد حركة حماس بالاستجابة للمسيرة الديموقراطية الفلسطينية المسيطر عليها أمريكيا ولإثبات حسن النوايا في الساحة الداخلية والساحة الإقليمية والساحة العالمية ولاستغلال التأييد الشعبي الفلسطيني للمسيرة الجهادية باتجاه دعم السيطرة للمجاهدين من باب السياسة وما نتج عن ذلك من محاولة اصطياد المسيرة الجهادية في فلسطين في قوقعة التجربة الديموقراطية وتمسك حماس بمسيرتها الجهادية وما وقع عليها بعد ذلك وعلى الشعب الفلسطيني من بلاء وحصار، وما تلاه من استجابة حماس وموافقتها على مشروع السلام المطروح من قبل النظام السياسي العربي والقلق الكبير الذي باتت تمثله هذه الاستجابة على مستقبل الجهاد في فلسطين، وكذلك اشتعال الأداء الجهادي في العراق والاصطدام المباشر بالمشروع الأمريكي في المنطقة والمحاولة الأمريكية المستميتة لإيقاف الجهاد من خلال اللعب بالسياسة، واضطرار الأمريكان لإبطاء المسيرة الديموقراطية في المنطقة ككل نتيجة عدم نضج طبخة الإسلام السياسي فيها، ومما يحسب لجماعة القاعدة في هذا السبيل تدخلهم في توجيه المسار السياسي العام في المنطقة من خلال خطابات قادتها المتصلة والتي سدت ثغرة كبيرة مفتقدة إذ لا يوجد من يمارس هذا التوجيه وبهذا المستوى نتيجة لانشغال أهل كل قطر بشأنه وأزماته.


وإن التطورات الأخيرة على ساحات المسلمين قد شكلت وبوجه الخصوص منذ سقوط بغداد بيد التتر المعاصرين دفعا باتجاه الوضوح وتسليط الضوء بشكل دقيق على تبلور استراتيجيات ومشاريع الأمم المختلفة على وجه الأرض وتدافعها وتحديد قائمة الأعداء الأشد خطرا على الأمة المسلمة واضطرار أولئك الأعداء إلى الكشف عن أوراقهم ورؤاهم وتنزيلها على الأرض مما غير من كثير من المعطيات والعوامل الكلية التي كانت تتحكم بمنطقة السياسة والنظم السياسية التي تحكم المسلمين وبالتالي بعثرة الساحات التي يقف الجميع عليها وهذا بدوره يتطلب من قادة المسلمين سواء من يقف على ضفة السياسة أو على ضفة الجهاد أن يسارعوا إلى بعضهم البعض لبلورة رؤية واستراتيجية شاملة وجديدة تتناسب وتتجاوب مع هذا المتغيرات أو بمفهوم شرعي بلورة اجتهاد جديد يحدد مسارات التجاوب لكل تلك التحديات والتعامل معها فلم تعد الأنظمة السياسية في العالم السياسي مجرد أنظمة قطرية بل هي منظومة تحكمها معطيات التحولات في النظام العالمي الذي لم يعد بدوره يصلح لأن يرد لأحد من البشر حقه وهو لم يكن كذلك من قبل لكن الدعاية سربلته بهذا الاتجاه وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: هل باتت الاجتهادات القديمة صالحة للتعامل مع واقع المسلمين ومتغيراته؟ تلك الاجتهادات التي بنيت على معطيات وعوامل قد تغير أغلبها وتبدل؟


هذا ما يسره الله عز وجل من بحث ونظر في مسألة السياسة والجهاد وعلاقتهما بالأداء الإسلامي الكلي وقد بذلت وسعي لكي أنصح خاصة المسلمين وعامتهم من خلال هذه الصفحات فما كان من خير وتوفيق فهو محض فضل من رب العالمين وما كان من خلل وشطط فهو من نفسي والشيطان واستغفر الله الغفور الرحيم منه ومما تجرأت على القول به.


كتبه الفقير إلى ربه/ حسن أحمد الدقي


23/4/2008م





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق